* واستمع لقوله تعالى في حثه, وتحريضه, واستدعائه أصحابَ نبيه صلى الله عليه وسلم, والمؤمنين من بعدهم للجهاد في سبيله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ الله اثَّاقَلْتُمْ إلى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَالله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التوبة: 38_ 39] .
تأمّل: {اثَّاقَلْتُمْ إلى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ} .
(إنها: ثِقلة الأرض، ومطامع الأرض، وتصورات الأرض, ثِقلة الخوف على الحياة, والخوف على المال, والخوف على اللذائذ, والمصالح, والمتاع, ثقلة الدعة, والراحة, والاستقرار, ثقلة الذات الفانية, والأجل المحدود, والهدف القريب, ثقلة اللحم, والدم, والتراب.
والتعبير يلقي كل هذه الظلال بجرس ألفاظه: {اثاقلتم} , وهذه قراءة حفص, وهي أبلغ تصويرًا من القراءات التي ورد فيها: {تثاقلتم} , وهي بجرسها تمثل الجسم المسترخي الثقيل يرفعه الرافعون في جهد: فيسقط منهم في ثقل، ويلقيها بمعنى ألفاظه: {اثاقلتم إلى الأرض} , ومالها من جاذبية تشد إلى أسفل, وتقاوم رفرفة الأرواح, وانطلاق الأشواق.
إن النفرة للجهاد في سبيل الله: انطلاق من قيد الأرض، وارتفاع على ثقلة اللحم والدم، وتحقيق للمعنى العلوي في الإنسان, وتغليب لعنصر الشوق المجنح في كيانه على عنصر القيد والضرورة، وتطلع إلى الخلود الممتد، وخلاص من الفناء المحدود: {أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة؟ فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل} ) (1) .
(1) "في ظلال القرآن/1655".