فأخبر تعالى أن الذين يقومون بأمره بالقتال في سبيله: هم من باع الدنيا بالآخرة لا غير (1) .
قال ابن جرير_ رحمه الله_: [يقول الله لهم جل ثناؤه: {فليقاتل في سبيل الله} , يعني في دين الله, والدعاء إليه, والدخول فيما أمر به أهل الكفر به: {الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة} , يعني: الذين يبيعون حياتهم الدنيا بثواب الآخرة, وما وعد الله أهل طاعته فيها, وبيعُهم إياها بها: إنفاقُهم أموالهم في طلب رضا الله كجهاد من أمر بجهاده من أعدائه وأعداء دينه, وبذلهم مهجهم له في ذلك] (2) .
ــ وقد قررت السنة عين ما قرره القرآن من التحذير من"حب الدنيا", والتعلق بها, والركون إليها, وأن ذلك: هو المانع من القيام بأمر الله_ علمًا وعملًا, دعوة وجهادًا_؛ ومن ذلك:
* ما جاء عن أبي هريرة_ رضي الله عنه_ عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال:"حجبت الجنة بالمكاره, وحجبت النار بالشهوات" (3) .
* وعن أنس_ رضي الله عنه_, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حفت الجنة بالمكاره, وحفت النار بالشهوات" (4) .
* وعن أبي هريرة_ رضي الله عنه_ أيضًا_ عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال:"لمّا خلق الله الجنة, والنار: أرسل جبريل إلى الجنة, فقال: انظر إليها, وإلى ما أعددت لأهلها فيها, قال: فجاءها, فنظر إليها, وإلى ما أعدّ لأهلها, قال: ارجع إليه, فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها."
فأمر بها, فحفت بالمكاره, فقال: ارجع إليها, فانظر إلى ما أعددت لأهلها, قال: فرجع إليها, فإذا هي قد حفت بالمكاره, فرجع إليه, فقال: وعزتك لقد خفت ألا يدخلها أحد.
قال: فاذهب إلى النار, فانظر إلى ما أعددت لأهلها, فإذا هي يركب بعضها بعضًا, فرجع إليه, فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد, فيدخلها.
(1) وهذا: أظهر, وأصح ما قيل في الآية, وهو ما لم يذكر الإمام الطبري غيره.
(2) "تفسير الطبري5/ 167".
(3) "البخاري5/ 2379".
(4) "مسلم4/ 2174".