فهرس الكتاب

الصفحة 2026 من 2063

فـ"الدنيا": (ضرة الآخرة, فمهما أرضيت هذه: أغضبت هذه, فهما كالمشرق والمغرب مهما قرّبت من أحدهما: بعدت من الآخر, وهما كقدحين أحدهما مملوءًا؛ فبقدر ما يُصب في الآخر حتى يمتلىء: يخلو من الآخر) (1) .

ولذا, كان"حب الدنيا", و"القيام بأمر الله": ضدين لا يجتمعان.

ــ وإنما كان"حب الدنيا", و"القيام بأمر الله"من العلم والعمل, والدعوة والجهاد: ضدين لا يجتمعان لأن"القيام بأمر الله"مبناه_ كما سبق معنا_ على تحقيق أصلين: معرفة الحق, والعمل به, و"حب الدنيا": َيرفع الأصلين أو أحدهما, وبيان ذلك بالوجوه الآتية:

ــ الوجه الأول:

أن"حب الدنيا", والتعلق بها, والركون إليها, والتمسك بزخرفها, وزينتها من المال, والمنصب, والجاه, والمنزلة مع إعطاء النفس حظها من المأكل, والمشرب, والمنكح مع الترف, والتوسع, والمسارعة لنيل الرغبات, وإدراك الحظوظ: يُنسي الآخرة حقًا, ومن ثم: يصد عن طلب"الحق", ومعرفته, فصاحب الدنيا: قلبه منشغل بدنياه, متطلع إليها, عاكف على تحصيلها, قد وفّر همه, وجهده عليها: فلم يعد لـ"الحق"محل في فكره, وعقله, وقلبه, ونفسه إذ المشغول لا يشغل بل هو معرض بالكلية عنه بلا مبالاة أو أدنى اهتمام, فهو في سهو, وغفلة, حظُه من دينه: ما وجد عليه مَنْ قبله لا أكثر! , فأنى لهذا الغافل, التائه أن يعرف"الحق", وأن يدركه؟!!!.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية_ رحمه الله_ في قوله تعالى: {قتل الخراصون الذين هم في غمرة ساهون} , قال: [أي: ساهون عن أمر الآخرة، فهم في غمرة عنها، أي: فيما يغمر قلوبهم من حب الدنيا, ومتاعها، ساهون عن أمر الآخرة, وما خلقوا له.

وهذا يشبه قوله: {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطًا} ...

(1) "فيض القدير2/ 78".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت