فهرس الكتاب

الصفحة 2029 من 2063

ـ ومن هنا, فإنه_ وكما نص عليه أهل العلم_: (ينبغي أن لا يؤخذ العلم إلا عن أقل الناس رغبة في الدنيا, فإنه أنور قلبًا, وأقل إشكالات في الدين, فكيف يُؤخذ علمٌ عمّن جمع في قلبه رأس خطيئات الوجود؟! , كيف وذلك يمنع من دخول حضرة الله, وحضرة رسوله, فإن حضرته تعالى: كلامه, وحضرة رسوله: كلامه, ومن لم يتخلق بأخلاق صاحب الكلام: لا يمكنه دخول حضرته ولو في صلاته إذ لا يفهم أحدٌ عن أعلى صفة إلا إن صلح لمجالسته, فمن زهد في الدنيا كما زهد: فقد أُهِّلَ لفهم كلامه, ولو رغب فيها كغالب الفقهاء: لا يُؤهل لذلك, ولا يفهم مراد الشارع إلا إن فسر له بكلام مغلق, قلق, ضيق) (1) .

ــ الوجه الثالث:

أن صاحب الدنيا, المحب لها وإن عَلِمَ"الحقَ": فإن حبه للدنيا, وتعلقه بها: يقعده, ويكبله تكبيلًا شديدًا عن القيام بهذا"الحق": دعوة إليه, وجهادًا في سبيله, ونصرة له إذ القيام بـ"الحق"يعني التعرض للبلاء في ذات الله في النفس, والأهل, والمال, والولد, والمنصب, والجاه, والمنزلة, والمكانة, وغير ذلك من متاع الدنيا, وزخرفها, وزينتها.

وصاحب الدنيا: قد قهرته الدنيا بهذا المتاع, وهذا الزخرف, وهذه الزينة, واستولت على قلبه, وفاق حبُه لها: حبَه لدينه: فهو أسيرها المطواع الذي لا يستطيع لأمرها ردًا, ولا لحكمها رفضًا, قد خرّ لها صريعًا لليدين, وللفم.

فإذا دار الأمر بين الحفاظ على"الدنيا"من مال أو منصب أو جاه أو مكانة ومنزلة أو سلامة في النفس أو الأهل أو الولد, وبين القيام بـ"الحق"دعوةً إليه, وجهادًا في سبيله, ونصرةً له: فالحفاظ على"الدنيا"هو الخيار بل هو الخيار الأوحد الذي لا يرتقي أي خيار آخر للوقوف معه على قدم المساواة للترجيح وإن كان نُصرة الدين.

فـ"حب الدنيا": يَعدم في صاحبه أيَّ استعداد للتضحية في سبيل دينه بما يُورثه في نفسه من الحرص الشديد, والخوف الأشد.

(1) "فيض القدير3/ 368: 369".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت