وإن كان الحق ظاهرًا لا خفاء به, ولا شبهة فيه: أقدم على مخالفته, وقال: لي مخرج بالتوبة، وفي هؤلاء وأشباههم قال تعالى: {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات} , وقال تعالى فيهم_أيضًا_: {فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون} .
فأخبر سبحانه أنهم أخذوا العرض الأدنى مع علمهم بتحريمه عليهم, وقالوا: سُيغفر لنا, وإن عَرَض لهم عرض آخر: أخذوه؛ فهم مُصرون على ذلك، وذلك هو الحامل لهم على أن يقولوا على الله غير الحق, فيقولون: هذا حكمه, وشرعه, ودينه, وهم يعلمون أن دينه, وشرعه, وحكمه: خلاف ذلك أَوْ لا يعلمون أن ذلك دينه, وشرعه, وحكمه: فتارة يقولون على الله ما لا يعلمون، وتارة يقولون عليه ما يعلمون بطلانه] (1) .
وتأمّل قول المناوي_ رحمه الله_ عن هذا الصنف من العلماء:
[هم الذين قصدهم من العلم: التنعم بالدنيا, والتوصل إلى الجاه, والمنزلة, فالواحد منهم: أسير الشيطان, أهلكته شهوته, وغلبت عليه شقوته, ومن هذا حاله: فضرره على الأمة من وجوه كثيرة؛ منها: الاقتداء به في أفعاله, وأقواله, ومنها: تحسينه للحكام ظلم الأنام, وتساهله في الفتوى لهم, وإطلاقه القلم, واللسان بالجور, وبالبهتان استكبارًا أن يقول فيما لا علم عنده به: لا أدري] (2) .
ـ ورحم الله ابن دقيق العيد يوم قال:
يقولون لى هلا نهضت إلى العلا فما لذ عيش الصابر المتقنع
وهلا شَددّت العيس حتى تحلها بمصر إلى ظل الجناب المرفع
ففيها من الأعيان من فيض كفه إذا شاء روى سيله كل بلقع
وفيها قضاة ليس يخفى عليهم تعين كون العلم غير مضيع
وفيها شيوخ الدين والفضل والألى يشير إليهم بالعلا كل أصبع
(1) "الفوائد/100".
(2) "فيض القدير6/ 369".