قال الألوسي_ رحمه الله_: [وقوله جل وعلا: {بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون} : إبطال لأن يكون لهم حجة أصلًا, أي: لا حجة لهم على ذلك عقلية, ولا نقلية وإنما جنحوا فيه إلى تقليد آبائهم] .
ـ وهذه الآيات السابقة وإن كانت قد نزلت أساسًا في الكفار إلا أنها تشمل بعمومها كل من عرف الحق بالرجال موافقة لهم وتقليدًا بغير حجة من الله وبرهان أيًا كان محل التقليد وموضعه إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب مع اختلاف الحكم تبعًا لمحل التقليد وموضعه.
قال ابن عبد البر_ رحمه الله_: [ومثل هذا في القرآن كثير من ذم تقليد الآباء والرؤساء، وقد احتج العلماء بهذه الآيات في إبطال التقليد، ولم يمنعهم كفر أولئك من الاحتجاج بها لأن التشبيه لم يقع من جهة كفر أحدهما، وإيمان الآخر، وإنما وقع التشبيه بين التقليدين بغير حجة للمقلد، كما لو قلد رجل: فكفر، وقلد آخر: فأذنب، فقلد آخر في مسألة دنياه: فأخطأ وجهها، كان كل واحد ملومًا على التقليد بغير حجة لأن كل ذلك تقليد يشبه بعضه بعضًا وإن اختلفت الآثام فيه] (1) .
ــ ومعرفة الحق بالرجال موافقة لهم وتقليدًا بغير حجة: هو دين أهل الكتاب الذي حذرنا الله تعالى من الوقوع فيه، وهو ممّا كان سببًا في خروجهم عن الملة التي أنزلها الله إليهم:
* قال تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله} [التوبة: 31] .
وعن عدي بن حاتم_ رضي الله عنه_ وكان قد قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو نصراني: فسمعه يقرأ هذه الآية: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أُمروا إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا لا إله إلا هو سبحانه عمّا يُشركون} .
قال: فقلت يا رسول الله، إنا لسنا نعبدهم.
قال صلى الله عليه وسلم:"أليس يُحرّمون ما أحلّ الله: فتحرّمونه، ويُحلّون ما حرّم الله: فتُحلّونه"؟.
(1) "جامع بيان العلم 2/ 109: 110".