فهرس الكتاب

الصفحة 285 من 2063

وشبه ما يكون في القلوب من الشهوات, والشبهات عند وصول الحق إليها: بالزبد الذي يعلو الماء، ويعلو ما يوقد عليه النار من الحلية التي يُراد تخليصها وسبكها، وأنها لا تزال فوق الماء طافية مكدرة له حتى تذهب وتضمحل، ويبقى ما ينفع الناس من الماء الصافي، والحلية الخالصة.

كذلك الشبهات والشهوات: لا يزال القلب يكرهها، ويجاهدها بالبراهين الصادقة، والإرادات الجازمة حتى تذهب وتضمحل، ويبقى القلب: خالصًا، صافيًا ليس فيه إلا ما ينفع الناس من العلم بالحق، وإيثاره، والرغبة فيه.

فالباطل يذهب، ويمحقه الحق {إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} ، وقال هنا: {كَذَلِكَ يَضْرِبُ الله الْأَمْثَالَ} ليتضح الحق من الباطل، والهدى والضلال] (1) .

ـ وفي قوله تعالى: {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ} : دليل لما ذكرناه من قبل من أن الباطل مهما انتفخ وانتفش: ما هو إلا قشرة رقيقة جدًا على سطح الوجود ليس لها امتداد, ولا جذور، وهو مع ذلك: لا حقيقة له كالزبد: ظاهر بلا مضمون، وشكل بغير موضوع مثله تمامًا كفقاعة: تراه منتبرًا وليس فيه شيء.

أو هو: كمثل دخان:

يرقى إلى الأوج الرفيع وبعده يهوي إلى قعر الحضيض الداني (2)

ـ ولذا: فما يلبث أن يذهب هباءً، منثورًا، {جفاء} : لَفَظَه الوجودُ ورماه وكأنه لم يكن يومًا في دنيا الناس: {فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين} .

أمّا الحق: فهو الثابت، المستقر، الماكث في الأرض_ رغم أنف كل طغاة الأرض_: لا يزول، ولا يحول: يفيء إليه الوجودُ، ويرجع وإن طالت غربته عنه، فـ (الحق: حقٌ أبدًا) (3) .

(1) "تفسير السعدي/289".

(2) "شرح النونية لابن القيم 1/ 128".

(3) "تفسير القرطبي 7/ 369".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت