{كَذَلِكَ يَضْرِبُ الله الْأَمْثَالَ} : (وهو أن المثلين ضربهما الله: للحق في ثباته، والباطل في اضمحلاله، فالباطل وإن علا في بعض الأحوال: فإنه يضمحل كاضمحلال الزبد, والخبث) (1) .
قال ابن جرير الطبري_ رحمه الله_: [وهذا مثل ضربه الله للحق والباطل، والإيمان به والكفر: يقول تعالى ذكره: مثل الحق في ثباته، والباطل في اضمحلاله: مثل ماء أنزله الله من السماء إلى الأرض: {فسالت أودية بقدرها} ، يقول: فاحتملته الأودية بملئها: الكبير بكبره، والصغير بصغره: {فاحتمل السيل زبدًا رابيًا} ، يقول: فاحتمل السيل الذي حدث عن ذلك الماء الذي أنزله الله من السماء: زبدًا عاليًا فوق السيل.
فهذا أحد مثلَى الحق والباطل، فالحق: هو الماء الباقي الذي أنزله الله من السماء، والزبد الذي لا ينتفع به: هو الباطل.
والمثل الآخر: {وممّا يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية} ، يقول جل ثناؤه: ومثل آخر للحق والباطل: مثل فضة أو ذهب يوقد عليها الناس في النار طلب حلية يتخذونها أو متاع، وذلك من النحاس, والرصاص, والحديد يوقد عليه ليتخذ منه متاع ينتفع به: {زبد مثله} ، يقول تعالى ذكره: وممّا يوقدون عليه من هذه الأشياء: {زبد مثله} ، يعني: مثل زبد السيل لا ينتفع به، ويذهب باطلًا كما لا ينتفع بزبد السيل، ويذهب باطلًا.
ورفع الزبد بقوله: {وممّا يوقدون عليه في النار} ، ومعنى الكلام: وممّا يوقدون عليه في النار زبد مثل زبد السيل في بطول زبده، وبقاء خالص الذهب والفضة.
يقول الله تعالى: {كذلك يضرب الله الحق والباطل} ، يقول: كما مَثّل الله الإيمان, والكفر في بطول الكفر وخيبة صاحبه عند مجازاة الله بالباقي النافع من ماء السيل, وخالص الذهب والفضة: كذلك يمثل الله الحق والباطل.
(1) "المرجع السابق 9/ 305".