{فأما الزبد فيذهب جفاء} ، يقول: فأما الزبد الذي علا السيل، والذهب، والفضة، والنحاس، والرصاص عند الوقود عليها: فيذهب بدفع الرياح، وقدف الماء به، وتعلقه بالأشجار، وجوانب الوادي.
{وأما ما ينفع الناس} من الماء، والذهب، والفضة، والرصاص، والنحاس: فالماء يمكث في الأرض فتشربه، والذهب، والفضة: تمكث للناس.
{كذلك يضرب الله الأمثال} ، يقول: كما مثل هذا المثل للإيمان والكفر: كذلك يمثل الأمثال] (1) .
* وقد قال تعالى_ كذلك_: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء: 81] .
عن قتادة_ رحمه الله_ قوله: {وقل جاء الحق} ، قال:"الحق: القرآن"، {وزهق الباطل} ، قال:"هلك الباطل، وهو: الشيطان".
وعن ابن جريج_ رحمه الله_ قوله: {وقل جاء الحق} ، قال:"دنا القتال"، {وزهق الباطل} ، قال:"الشرك، وما هم فيه" (2) .
ولا تعارض بين هذه الأقوال إذ"القرآن"شامل لكل ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك:"القتال"كما أن"الشيطان": هو رأس الباطل، وأساسه، و"الشرك": أظهر مظاهر الباطل، وأقبحها.
وهذا من قبيل تفسير الشيء ببعض مفرداته، وهو كثير في كلام السلف_ رحمهم الله_، فـ"الحق": هو كل ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، (وهو ما بعثه الله به من القرآن، والإيمان، والعلم النافع) (3) ، و"الباطل": هو كل ما خالف ذلك.
* وقد جاء عن ابن مسعود_ رضي الله عنه_، قال:"دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وحول البيت ثلاث مئة وستون صنمًا: فجعل يطعنها، ويقول: {جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا} " (4) .
قال القرطبي_ رحمه الله_ بعد أن ذكر الأقوال الواردة في الآية:
(1) "تفسير الطبري 13/ 134".
(2) انظر:"تفسير الطبري 15/ 152".
(3) "تفسير ابن كثير 3/ 60".
(4) "البخاري 2/ 876","مسلم 3/ 1408".