فهرس الكتاب

الصفحة 290 من 2063

والتعبير القرآني هنا في قوله تعالى: {نقذف} : تعبير عجيب، بديع حيث تُلقي هذه الكلمة:"نقذف": بظلال، وإيحاءات عديدة حول صولة الحق، وسطوته، فهي تُصوّر الحقَ: مندفعًا في اتجاه الباطل: بقوة، وسرعة، مُنصبًّا عليه من علٍ بِدَوِيٍّ، وصوتٍ له وقعٌ مهيب، وهذه القوة، والسرعة، والاندفاع، والعلو، والدوي، والصوت المهيب: كلها من ذات الحق وماهيته كما أودعها الله فيه وإن رآه الناس بخلاف ذلك.

أما الباطل: فهو جامد، ضعيف، سافل، يقبع خاسئًا، خائفًا، مذعورًا، مرتجفًا: ينتظر ما الذي سيفعله به الحق، وهذه الصفات: هي صفات الباطل الحقيقية كما أودعها الله فيه وإن سُترت حينًا بمظاهر المادة الزائفة التي تخدع الناس عن حقيقة ما بداخله.

وقوله تعالى: {فيدمغه} : يَملأ النفس شعورًا بذهاب الباطل، واضمحلاله بصورة تامة: فلم يعد شيئًا، وصار أثرًا بعد عين: {فإذا هو زاهق} .

قال ابن جرير_ رحمه الله_:[ {فيدمغه} ، يقول: فيهلكه كما يدمغ الرجلُ الرجلَ بأن يشجه على رأسه شجة تبلغ الدماغ، وإذا بلغت الشجة ذلك من المشجوج: لم يكن له بعدها حياة.

وقوله: {فإذا هو زاهق} ، يقول: فإذا هو هالك، مضمحل] (1) .

قال الشيخ السعدي_ رحمه الله_:[يخبر تعالى أنه تكفل بإحقاق الحق، وإبطال الباطل، وإن كل باطل: قيل وجُودل به: فإن الله ينزل من الحق، والعلم، والبيان: ما يدمغه: فيضمحل، ويتبين لكل أحد بطلانه: {فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} ، أي: مضمحل، فانٍ.

وهذا عام في جميع المسائل الدينية: لا يورد مبطل شبهة عقلية ولا نقلية في إحقاق باطل أو رد حق: إلا وفي أدلة الله من القواطع العقلية، والنقلية: ما يذهب ذلك القول الباطل ويقمعه: فإذا هو متبين بطلانه لكل أحد، وهذا يتبين باستقراء المسائل: مسألة، مسألة: فإنك تجدها كذلك] (2) .

(1) "تفسير الطبري 17/ 10: 11".

(2) "تفسير السعدي/370".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت