فهرس الكتاب

الصفحة 293 من 2063

ـ بل إن الله سبحانه وتعالى بلطيف صنعه الذي يخفى على أكثر الناس، وببديع حكمته التي تعجز العقول: يسلط الباطل على الحق تسليطًا قدريًا، ويقيمه في وجهه: ليظهر الحق، ويعلو، ويزداد: ظهورًا، وبينًا، وعلوًا، وليفتضح الباطل، ويظهر وجهُه القبيح، وينكشف: فيزهق، ويضمحل.

ولولا هذه المواجهة: لخفي الحق أو بعضه على كثير من الناس أو على أكثرهم، ولراج الباطل أو بعضه على كثير من الناس أو على أكثرهم، فكان في هذه المواجهة من صنع الله للحق وأهله: ما تُحمد معه هذه المواجهة، وتُعدّ من نعم الله، ومننه لأهل الحق_ أهل الطائفة المنصورة_ المستوجبة لشكر المنعم، المنان: الحكيم، العليم.

فتكون هذه المواجهة والمعارضة من الباطل للحق: من أعظم أسباب هداية الخلق للحق، ولله الحكمة البالغة،(فالله تبارك وتعالى_ من رحمته_ بالعباد: قد يسر لهم أسباب الهداية غاية التيسير، ونبههم على سلوك طرقها، وبينها لهم أتم تبيين حتى أن في جملة ذلك: أنه يقيض للحق: المعاندين له: فيجادلون فيه: فيتضح بذلك الحق، وتظهر آياته وأعلامه.

ويتضح بطلان الباطل، وأنه لا حقيقة له، ولولا قيامه في مقابلة الحق: لربما لم يتبين حاله لأكثر الخلق، وبضدها: تتبين الأشياء، فلولا الليل: ما عُرف فضل النهار، ولولا القبيح: ما عرف فضل الحسن، ولولا الظلمة: ما عرف منفعة النور، ولولا الباطل: ما اتضح الحق اتضاحًا ظاهرًا، فلله الحمد على ذلك) (1) .

* وقد قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} [الأنعام: 112] .

(1) "تفسير السعدي/32".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت