ــ ويؤكد ما سبق, ويوضحه: أن القعود عن القيام بأمر الله, والقوامة عليه بالعلم, والدعوة, والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, والجهاد في سبيل الله عند القدرة: هو من جنس الذنوب, والمعاصي لا من جنس البدع, والمحدثات في حين أن العلماء كافة قد حملوا حديث الفرق على ما كان راجعًا للبدع, والمحدثات لا إلى الذنوب, والمعاصي حتى قال الشاطبي_ رحمه الله_: [ فلم يكن منهم قائل بأنّ الفرقة المضادة للجماعة: هي فرقة المعاصي غير البدع على الخصوص ] (1) .
وقال_ رحمه الله_: [ وكل مَنْ لم يهتد بهديه, ولا يستن بسنته؛ فإمّا إلى بدعة أو معصية؛ فلا اختصاص بأحدهما غير أن الأكثر في نقل أرباب الكلام، وغيرهم أن الفرقة المذكورة: إنما هي بسبب الابتداع في الشرع على الخصوص، وعلى ذلك حمل الحديثَ مَنْ تكلم عليه من العلماء، ولم يعدوا منها المفترقين بسبب المعاصي التي ليست ببدع، وعلى ذلك يقع التفريع إن شاء الله ] (2) .
ـ قلت: ولأئمة أهل السنة الأعلام كلامٌ كثير, مشهور في التفريق بين البدع, والمعاصي وبيان قلة خطورة الثانية على الدين بالنسبة للأولى .
فيظهر بذلك أن جهة الحديث عن الطائفة المنصورة في كلام النبي صلى الله عليه وسلم مختلفة عن جهة حديثه صلى الله عليه وسلم عن الفرقة الناجية, وأن هذه الجهة الأخيرة: هي السلامة من البدع في القول, والعمل, والاعتقاد, وعلى هذا الأساس يُفهم ما روي عنه صلى الله عليه وسلم في بيان الفرقة الناجية من أنها:"مَنْ كان على ما أنا عليه اليوم وأصحابي" (3)
(1) "الاعتصام2/410".
(2) "الاعتصام2/411".
(3) من حديث عبد الله بن عمرو_ رضي الله عنهما_:"المستدرك1/218","الترمذي5/6","البدع والنهي عنها لابن وضاح/85","الشريعة للآجري/15, 16","السنة للمروزي/23","شرح أصول اعتقاد أهل السنة1/99","الإبانة لابن بطة1/219: 221", وغيرهم, وهو حسن لشواهده الكثيرة, والله أعلم .
والحديث حسّنه الترمذي كما في"تحفة الأحوذي7/334"، وكما نقله العراقي في"تخريج الإحياء3/198", وابن القيم في"حاشيته على أبي داود12/222", والعجلوني في"كشف الخفاء1/170".
وقد رويت هذه الزيادة عن أنس_ رضي الله عنه_, انظر:"المختارة7/278","المعجم الأوسط8/22","المعجم الصغير2/29","مجمع الزوائد1/189".