[قال تعالى: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالًا بعيدًا وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودًا} , وقال تعالى: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلًا أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا} .
فذمّ الذين أوتوا قسطًا من الكتاب لمّا آمنوا بما خرج عن الرسالة, وفَضّلوا الخارجين عن الرسالة على المؤمنين بها كما يفعل ذلك بعض من يُفضل الصابئة من الفلاسفة, والدول الجاهلية_ جاهلية الترك, والديلم, والعرب, والفرس, وغيرهم_ على المؤمنين بالله وكتابه ورسوله كما ذمّ المدّعين الإيمان بالكتب كلها وهم يَتركون التحاكم إلى الكتاب, والسنة ويتحاكمون إلى بعض الطواغيت المعظمة من دون الله كما يصيب ذلك كثيرًا ممن يدعى الاسلام وينتحله في تحاكمهم إلى مقالات الصابئة الفلاسفة أو غيرهم أو إلى سياسة بعض الملوك الخارجين عن شريعة الاسلام من ملوك الترك, وغيرهم.
وإذا قيل لهم: تعالوا إلى كتاب الله, وسنة رسوله: أعرضوا عن ذلك إعراضًا, وإذا أصابتهم مصيبة في عقولهم, ودينهم, ودنياهم بالشبهات, والشهوات أو في نفوسهم, وأموالهم عقوبةً على نفاقهم, قالوا: إنما أردنا أن نحسن بتحقيق العلم بالذوق, ونوفق بين الدلائل الشرعية والقواطع العقلية التى هي في الحقيقة ظنون وشبهات أو الذوقية التى هى في الحقيقة أوهام وخيالات {أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغًا_ إلى قوله_ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا ممّا قضيت ويسلموا تسليمًا} ] (1) .
(1) "الفتاوى 12/ 339: 340".