فكل طائفة اعتقدت أن العلم ما معها، وفرحت، وتقطعوا أمرهم بينهم زبرًا كل حزب بما لديهم فرحون، وأكثر ما عندهم: كلام، وآراء، وخرص، والعلم: وراء الكلام كما قال حماد بن زيد: قلت لأيوب: العلم اليوم أكثر أو فيما تقدم؟
فقال: الكلام اليوم أكثر، والعلم: فيما تقدم أكثر.
ففرق هذا الراسخ بين العلم، والكلام، فالكتب: كثيرة جدًا، والكلام، والجدال، والمقدرات الذهنية: كثيرة، والعلم: بمعزل عن أكثرها، وهو: ما جاء به الرسول عن الله، قال تعالى: {فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم} ، وقال: {ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم} ، وقال في القرآن: {أنزله بعلمه} ، أى: وفيه علمه.
ولمّا بعد العهد بهذا العلم: آل الأمر بكثير من الناس إلى أن اتخذوا هواجس الافكار، وسوانح الخواطر، والآراء: علمًا، ووضعوا فيها الكتب، وأنفقوا فيها الأنفاس: فضيعوا فيها الزمان، وملأوا بها الصحف مدادًا، والقلوب سوادًا حتى صرّح كثير منهم: أنه ليس في القرآن, والسنة: علم، وأن أدلتهما لفظية لا تفيد يقينًا، ولا علمًا، وصرخ الشيطان بهذه الكلمة فيهم، وأذّن بها بين أظهرهم حتي أسمعها دانيهم لقاصيهم: فانسلخت بها القلوب من العلم, والإيمان كانسلاخ الحية من قشرها والثوب عن لابسه.
ولقد أخبرني بعض أصحابنا عن بعض أتباع أتباع تلاميذ هؤلاء: أنه رآه يشتغل في بعض كتبهم ولم يحفظ القرآن؛ فقال له: لو حفظتَ القرآن أولًا: كان أولي, فقال: وهل في القرآن علم؟!.
وقال لي بعض أئمة هؤلاء: إنما نسمع الحديث لأجل البركة لا لنستفيد منه العلم لأن غيرنا قد كفانا هذه المؤونة؛ فعمدتنا على ما فهموه وقرروه.
ولا شك أن من كان هذا مبلغه من العلم: فهو كما قال القائل:
نزلوا بمكة في قبائل هاشم ونزلت بالبطحاء أبعد منزل