وقال لي شيخنا مرة في وصف هؤلاء: إنهم طافوا على أرباب المذاهب: ففازوا بأخس المطالب، ويكفيك للتسليم على أن هذا الذى عندهم ليس من عند الله: ما ترى فيه من التنقاض، والاختلاف، ومصادمة بعضه لبعض؛ قال تعالي: {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا} ، وهذا يدل على أن ما كان من عنده سبحانه: لا يختلف، وأن ما اختلف، وتناقض: فليس من عنده، وكيف تكون الآراء، والخيالات، وسوانح الافكار: دينًا يدان به، ويحكم به على الله ورسوله؛ سبحانك هذا بهتان عظيم.
وقد كان علم الصحابة الذى يتذاكرون فيه غير علوم هؤلاء المختلفين الخراصين كما حكى الحاكم في ترجمة أبى عبد الله البخارى، قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اجتمعوا: إنما يتذاكرون كتاب ربهم، وسنة نبيهم ليس بينهم: رأي، ولا قياس] (1) .
ـ قال مقيّده_ عفا الله عنه_: وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:"يتقارب الزمان، وينقص العلم، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج."
قيل: يا رسول الله: أيْمَ هو؟.
قال: القتل، القتل" (2) ."
فأخبر صلوات ربي وسلامه عليه بأن العلم المُنزّل: ينقص مع مرور الزمن، فدل على أن ما يتداوله الناس من الكلام، والرأي، والذي هو في زيادة: شيءٌ آخر يختلف في حقيقته عن هذا العلم المنزل.
قال ابن حبان_ رحمه الله_:
[هذا الخبر كالدليل على أن ما لم ينقص من العلم: ليس بعلم الدين في الحقيقة إذ أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم أن العلم ينقص عند تقارب الزمان، وفيه دليل على أن ضد العلم: يزيد، وكل شيء زاد ممّا لم يكن مرجعه إلى الكتاب والسنة: فهو ضد العلم] (3) .
(1) "الفوائد لابن القيم/103: 105".
(2) "البخاري 6/ 2590","مسلم 4/ 2057"عن ابي هريرة_ رضي الله عنه_.
(3) "المجروحين لابن حبان/12".