قال: صدق أبو الدرداء، إن شئت لأحدثنك بأول علم يرفع من الناس: الخشوع، يوشك أن تدخل مسجد الجماعة: فلا ترى فيه رجلًا خاشعًا" (1) ."
فرَفْعُ علم الخشوع: ليس رفع المعرفة به من آيات، وأحاديث، وما جاء فيه: وإنما هو: رفع العمل به إذ المعرفة وحدها: ليست بعلم، وإنما العلم: المعرفة، والعمل جميعًا .
ــ وقد قام الدليل على أن من لم ينتفع بعلمه: جاهل لم يخرج عن حد الجهل، ومسماه:
* قال تعالى: { وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ } [ الأعراف: 138 ] .
فقوله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام في رده علي بني إسرائيل: { إنكم قوم تجهلون } : دليل على أن أعظم الجهل: ترك العمل بالعلم إذ أن بني إسرائيل هؤلاء لا يجهلون أبدًا معرفة الله ، ولا كونه وحده المستحق للعبادة، وهم قد خرجوا لتوهم من معجزة مادية، محسوسة تخضع لها الجبال قبل البشر بل هم أنفسهم كانوا جزءًا من هذه المعجزة، فأقدامهم لم تجف بعد من ماء البحر .
وقد( حكي أن ابن عباس لقيه رجل من اليهود: فقال اليهودي: ممن أنت ؟، قال: من قريش، فقال: أنت من القوم الذين قالوا: { اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك } الآية: فهلا عليهم أن يقولوا: إن كان هذا هو الحق من عندك: فاهدنا له، إن هؤلاء قوم يجهلون .
قال ابن عباس: وأنت يا إسرائيلي من القوم الذين لم تجف أرجلهم من بلل البحر الذي أغرق فيه فرعون وقومه، وأنجى موسى وقومه حتى قالوا: { اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة } ، فقال لهم موسى: { إنكم قوم تجهلون} : فأطرق اليهودي مُفحمًا ) (2) .
(1) "المستدرك1/179"،"الترمذي5/31"،"الدارمي1/99"، وانظر:"المجمع1/201".
(2) "تفسير القرطبي7/398".