ثم فسر تلك الفاحشة فقال: { أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ } ، أي: كيف توصلتم إلى هذه الحال: فصارت شهوتكم للرجال وأدبارهم: محل الغائط، والنجو، والخبث: وتركتم ما خلق الله لكم من النساء من المحال الطيبة التي جبلت النفوس على الميل إليها، وأنتم انقلب عليكم الأمر: فاستحسنتم القبيح، واستقبحتم الحسن، { بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ } : متجاوزون لحدود الله، متجرئون على محارمه ] (1) .
فالقوم لا يجهلون أن ما يفعلون: فاحشة، منكرة، شنيعة كما يدل عليه عموم قوله تعالى في نفس الآية: {أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون } ؛ فهم مُبصرون لما يفعلون، قاصدون له، وكما يدل عليه إنكار نبي الله المتكرر عليهم هذا الصنيع، وتذكيره لهم بعظيم جرمه، وبشاعته، ولذا: استحقوا ما نزل بهم من العذاب .
وقد حكى الله تعالى عنهم أنهم قالوا جوابًا لنبيهم: { أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون } .
( أي: يتنزهون عن اللواط, وأدبار الذكور, فقبحهم الله: جعلوا أفضل الحسنات بمنزلة أقبح السيئات ) (2) .
ومن ثم: دل قوله تعالى في وصف هؤلاء القوم: { بل أنتم قوم تجهلون } : على أن جهلهم: إنما هو خضوعهم لشهواتهم وأهوائهم، وتركهم العمل بمقتضى ما هو مقرر عندهم_ من وجوه عدة_ من جرم هذا الفعل، وحرمته، وفحشه .
قال ابن جرير_ رحمه الله_: [ قوله: { بل أنتم قوم تجهلون } : يقول: ما ذلك منكم إلا أنكم قوم سفهاء, جهلة بعظيم حق الله عليكم: فخالفتم لذلك أمره، وعصيتم رسوله ] (3) .
ـ فدلت هذه الآية على ما دلت عليه الآية السابقة من أن أعظم الجهل: ترك العمل بالعلم: خضوعًا لشهوات النفس، وأهوائها، وضعفًا عن كبح النفس وإلجامها بأمر الله .
(1) "تفسير السعدي/438".
(2) "تفسر السعدي/439".
(3) "تفسير الطبري19/175".