ــ فالجهالة في هذه الآيات كلها: الوقوع في أسر الهوى، والشهوة بالإقدام على الذنب مع العلم بحرمته، وقبحه، فلم ينفع العلم والحال ما ذُكِرَ، ولمّا لم ينفع العلم: لم يَمنع من وصف الجهل, والوصم, والوسم به، وعلى هذا: انعقد إجماع خير الخلق بعد الأنبياء والمرسلين: أصحاب الرسول الأمين صلى الله عليه وسلم ورضوان الله تعالى عليهم أجمعين .
ولما كان الشيء: ينتفي بانتفاء ثمرته، وكان العمل: هو ثمرة العلم، فلا جرم إذًا أن ينتفي العلم بانتفاء العمل .
( فإن العلم يُراد للعمل فإنه بمنزلة الدليل للسائر، فإذا لم يسر خلف الدليل: لم ينتفع بدلالته فنزل منزلة من لم يعلم شيئًا لأن من علم ولم يعمل: بمنزلة الجاهل الذي لا يعلم كما أن من ملك ذهبًا وفضة، وجاع وعرى ولم يشتر منها ما يأكل ويلبس: فهو بمنزلة الفقير العادم كما قيل:
ومن ترك الانفاق عند احتياجه مخافة فقر فالذي فعل الفقر
والعرب تسمى الفحش والبذاء: جهلًا، إما لكونه ثمرة الجهل فيسمى باسم سببه وموجبه؛ وأما لأن الجهل: يقال في جانب العلم والعمل، قال الشاعر:
ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الحاهلينا ) (1) .
ـ( وممّا يبين ذلك: قوله: { إنما يخشى الله من عباده العلماء } ، وكل من خشيه: فأطاعه بفعل أوامره، وترك نواهيه: فهو عالم كما قال تعالى: { أمّن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون } ، وقال رجل للشعبي: أيها العالم، فقال: لسنا بعلماء، إنما العالم من يخشى الله، وقال ابن مسعود: وكفى بخشية الله علمًا، وبالإغترار بالله جهلًا .
(1) "مفتاح دار السعادة1/100: 101".