وقوله: { إنما يخشى الله من عباده العلماء } : يقتضي الحصر من الطرفين أن لا يخشاه إلا العلماء، ولا يكون عالمًا: إلا من يخشاه، فلا يخشاه إلا عالم، وما من عالم: إلا وهو يخشاه، فإذا انتفى العلم: انتفت الخشية، وإذا انتفت الخشية: دلت على انتفاء العلم .
لكن وقع الغلط في مسمى العلم اللازم للخشية حيث يظن أنه يحصل بدونها: وهذا ممتنع فإنه ليس في الطبيعة أن لا يخشى النارَ، والأسدَ، والعدوَ من هو عالم بها، مواجه لها، وأنه لا يخشى الموتَ من ألقى نفسه من شاهق، ونحو ذلك، فأمْنُه في هذه المواطن: دليل عدم علمه، وأحسن أحواله أن يكون معه ظن لا يصل إلى رتبة العلم اليقيني .
فإن قيل: فهذا ينتقض عليكم بمعصية إبليس، فإنها كانت عن علم لا عن جهل وبقوله: { وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى } ، وقال: { وآتينا ثمود الناقة مبصرة } ، وقال عن قوم فرعون: { وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلمًا وعلوًا } ، وقال: { وعادًا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين } ، وقال موسى لفرعون: { لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر } ، وقال: { وما كان الله ليضل قومًا بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون } ، وقال: { والذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبنائهم } ، يعني: القرآن أو محمدًا صلى الله عليه وسلم، وقال: { يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون } ، وقال: { فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بأيات الله يجحدون } ، والجحود: إنكار الحق بعد معرفته، وهذا كثير في القرآن .