الثالثة: أن يجاهدها على الدعوة إليه، وتعليمه من لا يعلمه، وإلا كان من الذين يكتمون ما أنزل الله من الهدى والبينات، ولا ينفعه علمه، ولا ينجيه من عذاب الله .
الرابعة: أن يجاهدها على الصبر على مشاق الدعوة إلى الله، وأذى الخلق، ويتحمل ذلك كله لله .
فإذا استكمل هذه المراتب الأربع: صار من الربانيين، فإن السلف مجمعون على أن العالم لا يستحق أن يسمى ربانيًا حتى يعرف الحق، ويعمل به، ويعلمه، فمن علم, وعمل, وعلّم: فذاك يدعى عظيمًا في ملكوت السماوات ) (1) .
ــ والعبرة هنا بما كان في أرض الواقع: حقيقة ماثلة للعيان لا يختلف فيها اثنان، ولا ينتطح عليها عنزان: قيامًا لله بحق هذا العلم: علمًا وتعليمًا، بلاغًا وتبينًا، دعوةً وجهادًا، أمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر، صدعًا بالحق وابتلاءً في سبيله.
أما الدعاوى المغلوطة: ظاهرة العجز، والكلام الإنشائي الهزيل: ظاهر التلبيس: فهذا شئ في التوهم والخيال؛ مَنْ قدم عليه: كمن قدم على السراب يحسبه ماء: فلم يجده شيئًا، ولا يغير من حقيقة السراب: رؤية الرائي له أنه ماء، وكيف والناقد بصير ؟!، وقد قضى أنه لا يروج عنده إلا الخالص .
قال الإمام الكبير الحسن البصري_ رحمه الله_:"اعتبروا الناس بأعمالهم ودعوا قولهم، فإن الله لم يدع قولًا: إلا جعل عليه دليلًا من عمل يصدقه أو يكذبه ."
فإذا سمعت قولًا حسنًا: فرويدًا بصاحبه، فإذا وافق قوله عمله: فنعم ونعمت عين: فآخه، وأحببه، وأودده .
وإن خالف قولَه عملُه: فماذا يشبه عليك منه أو ماذا يخفى عليك منه ؟!، إياك وإياه، لا يخدعنك" (2) ."
(1) "زاد المعاد لابن القيم3/10".
(2) "الزهد لابن المبارك/26"،"جامع بيان العلم2/6: 7".