(فرع) أما علم القلب, وهو معرفة أمراض القلب: كالحسد, والعجب, وشبههما, فقال الغزالي: معرفة حدودها, وأسبابها, وطبها, وعلاجها: فرض عين، وقال غيره: إن رُزِق المكلَّف قلبًا سليمًا من هذه الأمراض المحرمة: كفاه ذلك, ولا يلزمه تعلم دوائها، وإن لم يَسلم: نظر إن تمكن من تطهير قلبه من ذلك بلا تعلم: لزمه التطهير كما يلزمه ترك الزنا ونحوه من غير تعلم أدلة الترك، وإن لم يتمكن من الترك إلا بتعلم العلم المذكور: لزمه ذلك حينئذ, والله أعلم] (1) .
ــ ويتجمع لنا من كلام أهل العلم السابق_ وغيره_ أن العلم الذي هو فرض عين: على صور ثلاث:
الأولى:
ما يلزم كل مكلف ابتداءً, وقد مرّ معنا قول الإمام الشافعي_ رحمه الله_ في بيان فرض العين من العلم بأنه:"علم عامَّةٍ لا يَسَعُ بالغًا غيرَ مغلوبٍ على عقله جهلُه".
كما مر معنا_ كذلك_ قول ابن عبد البر_ رحمه الله_: [والذي يلزم الجميع فرضه من ذلك: ما لا يسع الإنسان جهله من جملة الفرائض المفترضة عليه ... ] .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية_ رحمه الله_ في تعريف فرض العين من العلم: [طلبُ كل واحدٍ عِلم ما أمره اللهُ به, وما نهاه عنه، فإن هذا فرض على الأعيان] (2) .
الثانية:
ما لا يلزم ابتداءً, وإنما يلزم بالشروع فيه, وهو ما يعرف بعلم الحال, أي: الحال التي يكون عليه المكلف, فإذا كان في حال ما: وجب عليه تعلم أحكامه:
قال ابن المبارك_ رحمه الله_:"إن على كل أحد فرضًا أن يتعلم ما لا يسعه جهله من علم حاله" (3) .
وقد مر معنا قول إسحاق بن راهويه_ رحمه الله_:"طلب العلم: واجب, ولم يصح فيه الخبر إلا أن معناه: أنه يلزمه طلب علم ما يحتاج إليه ..." (4) .
(1) "المجموع 1/ 24: 26".
(2) "مجموع الفتاوى 28/ 80".
(3) "الفقيه والمتفقه 1/ 45".
(4) "جامع بيان العلم 1/ 9".