وقال_ كذلك_رحمه الله _ في حديثه عن"صفة المفتي الذى له أن يفتي في الدين وصفة الاجتهاد الواجب على أهل الإسلام", قال: [ وأما المنتصبون لطلب الفقه وهم النافرون للتفقه، الحاملون لفرض النفار عن جماعتهم، المتأهبون لنذرة قومهم، ولتعليم المتعلم, وفتيا المستفتى، وربما للحكم بين الناس: ففرض عليهم تقصي علوم الديانة على حسب طاقتهم؛ من: أحكام القرآن، وحديث النبى صلى الله عليه وسلم، ورُتَبِ النقل، وصفات النقلة، ومعرفة المسند الصحيح ممّا عداه من مرسل وضعيف، هذا فرضه اللازم له، فإن زاد إلى ذلك: معرفة الإجماع, والاختلاف، ومن أين قال كل قائل، وكيف يرد أقاويل المختلفين المتنازعين إلى الكتاب والسنة: فحسن .
وفرض عليه تعلم كيفية البراهين التى يتميز بها الحق من الباطل، وكيف يعمل فيما ظاهره التعارض من النصوص, وكل هذا منصوص في القرآن .
قال تعالى: { ليتفقّهوا في الدين } : فهذا إيجاب لتعلم أحكام القرآن, وأحكام أوامر النبى صلى الله عليه وسلم، لأن هذين: أصل الدين .
وقال تعالى: { إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا } : فوجب بذلك تعرّف عدول النّقلة من فسّاقهم، وفقهائهم ممن لم يتفقه منهم .
وأما معرفة الإجماع فقد زعم قوم أن هذا يجب بقوله تعالى: { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} ؛ قال ففرض علينا معرفة ما اتفق عليه أولو الأمر منا لأننا مأمورون بطاعتهم، ولا يمكننا طاعتهم إلا بعد معرفة إجماعهم الذي يلزمنا طاعتهم فيه .
وأما معرفة الاختلاف, ومعرفة ما يتنازعون فيه, ومعرفة كيفية الرد إلي الكتاب والسنة: فبقوله تعالى: { فإن تنازعتم في شئ فردّوه إلي الله والرسول } ؛ ففرض علينا معرفة ما يتنازعون فيه, ومعرفة كيف يرد ذلك إلى الكتاب والسنة لأننا إن لم نعرف الاختلاف: ظننا أن القول الذي نسمعه من بعض العلماء لا خلاف فيه، فنتبعه دون أن نعرضه على القرآن والسنة، فنخطئ, ونعصى الله تعالى إذ أخذنا قولًا نهينا عن اتباعه .