وكل من علم مسألة واحدة من دينه على الرتبة التي ذكرنا: جاز له أن يفتي بها، وليس جهله بما جهل: بمانع من أن يفتي بما علم، ولا علمه بما علم: بمبيح له أن يفتي فيما جهل، وليس أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا وقد غاب عنه من العلم كثير هو موجود عند غيره، فلو لم يُفْتِ إلا من أحاط بجميع العلم: لما حل لأحد من الناس بعد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يفتي أصلًا، وهذا لا يقوله مسلم، وهو إبطال للدين، وكفر من قائله, وفي بعثة النبي صلى الله عليه وسلم الأمراء إلى البلاد ليعلموا الناس القرآن, وحكم الدين ولم يكن أحد منهم يستوعب جميع ذلك لأنه قد كان تنزل بعدهم الآيات والأحكام: بيان صحيح بأن العلماء وإن فاتهم كثير من العلم: فإنّ لهم أن يُفْتُوا ويقضوا بما عرفوا ] (1) .
ـ وقال ابن عبد البر_ رحمه الله_ بعد أن ذكر فرض العين من العلم:
[ ثم سائر العلم, وطلبه, والتفقه فيه, وتعليم الناس إياه, وفتواهم به في مصالح دينهم ودنياهم: فهو فرض على الكفاية, يلزم الجميع فرضه, فإذا قام به قائم: سقط فرضه عن الباقين لا خلاف بين العلماء في ذلك, وحجتهم فيه: قول الله عز وجل: { فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم } : فألزم النفير في ذلك: البعض دون الكل, ثم ينصرفون: فيعلمون غيرهم, والطائفة في لسان العرب الواحد فما فوقه ] (2) .
وقال_ رحمه الله_ في بيان صفة الكفاية من العلم:
[ طلب العلم: درجات, ومناقل ورتب لا ينبغي تعديها, ومن تعداها جملة: فقد تعدى سبيل السلف_ رحمهم الله_, ومن تعدى سبيلهم عامدًا: ضلّ, ومن تعداه مجتهدًا: زلّ .
(1) "الإحكام5/115: 119".
(2) "جامع بيان العلم1/11".