ــ ولقد كان هذا هو نهج الأوائل من هذه الطائفة الظاهرة المنصورة_ في عهد النبوة, وعهود الخلافة الراشدة_, وكان هذا هو هديهم, وسيرتهم, وسنتهم, فلم يكن"الأمر"إلا بيد أهل العلم, وفي أيديهم هم فقط, وغيرهم لهم تبع.
وقد أمرنا صلى الله عليه وسلم عند الاختلاف، والتفرق بالتمسك بسنته، وسنة الخلفاء الراشدين، فقال:"فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي: عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة: ضلالة" (1) .
قال ابن رجب_ رحمه الله_:
[هذا إخبار منه صلى الله عليه وسلم بما وقع في أمته بعده من كثرة الاختلاف في أصول الدين وفروعه، وفي الأعمال والأقوال والاعتقادات، وهذا موافق لما روي عنه من افتراق أمته على بضع وسبعين فرقة، وأنها كلها في النار إلا فرقة واحدة، وهي ما كان عليه وأصحابه.
ولذلك في هذا الحديث أمر عند الافتراق والاختلاف بالتمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين من بعده، والسنة: هي الطريق المسلوك، فيشمل ذلك التمسك بما كان عليه هو وخلفاؤه الراشدون من: الاعتقادات، والأعمال، والأقوال، وهذه هي السنة الكاملة, ولهذا كان السلف قديمًا لا يطلقون اسم السنة إلا على ما يشمل ذلك كله, وروي معنى ذلك عن الحسن، والأوزاعي، والفضيل بن عياض] (2) .
وقال ابن رجب_ رحمه الله_: [قوله:"عضوا عليها بالنواجذ": كناية عن شدة التمسك بها، والنواجذ: الأضراس ... ] (3) .
وفي قوله صلى الله عليه وسلم:"وإياكم ومحدثات الأمور": تحذير شديد من الأمور المحدثة المخالفة لما كانت عليه سنته صلى الله عليه وسلم، وسنة الخلفاء الراشدين.
(1) "ابن ماجه 1/ 16"،"أحمد 4/ 126"،"المستدرك 1/ 175"،"الكبير 18/ 247،257"،"اللالكائي 1/ 22،74"،"السنة لابن أبي عاصم 1/ 19: 20، 27".
(2) "جامع العلوم والحكم/263".
(3) "جامع العلوم والحكم/266".