ـ هذا, وقد ذكر إمام الحرمين الجويني أنه في حال عدم وجود إمام شرعي للمسلمين: فإن الأمور تؤول_حلًا وعقدًا_ لأهل العلم: الأمثل, فالأمثل دون غيرهم:
قال_ رحمه الله_:[وقد حان الآن أن أفرض خلو الزمان عن الكفاة ذوي الصرامة، خلوه عمن يستحق الإمامة ...
إلى قوله:
أما ما يسوغ استقلال الناس فيه بأنفسهم، ولكن الأدب يقتضي فيه مطالعة ذوي الأمر، ومراجعة مرموق العصر: كعقد الجُمَع, وجر العساكر إلى الجهاد، واستيفاء القصاص في النفس والطرف، فيتولاه الناس عند خلو الدهر ...
إلى أن قال:
وإذا لم يصادف الناس قواما بأمورهم يلوذون به: فيستحيل أن يؤمروا بالقعود عمّا يقدرون عليه من دفع الفساد, فإنهم لو تقاعدوا عن الممكن: عم الفساد البلاد والعباد ...
إلى قوله:
وقد قال بعض العلماء: لو خلا الزمان عن السلطان فحق على قطان كل بلدة وسكان كل قرية أن يقدموا من ذوي الأحلام والنهى، وذوي العقول والحجا من يلتزمون امتثال إشاراته وأوامره، وينتهون عند مناهيه ومزاجره، فإنهم لو لم يفعلوا ذلك: ترددوا عند إلمام المهمات, وتبلدوا عند إظلال الواقعات ...
إلى أن قال:
فإذا شغر الزمان عن الإمام، وخلا عن سلطان ذي نجدة وكفاية ودراية: فالأمور موكولة إلى العلماء، وحق على الخلائق على اختلاف طبقاتهم أن يرجعوا إلى علمائهم, ويصدروا في جميع قضايا الولايات عن رأيهم، فإن فعلوا ذلك: فقد هدوا إلى سواء السبيل، وصار علماء البلاد: ولاة العباد.
فإن عسر جمعهم على واحد: استبد أهل كل صقع وناحية باتباع عالمهم، وإن كثر العلماء في الناحية: فالمتبع أعلمهم، وإن فرض استواؤهم ففرضهم نادر لا يكاد يقع، فإن اتفق: فإصدار الرأي عن جميعهم مع تناقض المطالب والمذاهب: محال، فالوجه: أن يتفقوا على تقديم واحد منهم, فإن تنازعوا وتمانعوا وأفضى الأمر إلى شجار وخصام: فالوجه عندي في قطع النزاع: الإقراع، فمن خرجت له القرعة: قُدِّم] (1) .
(1) "الغياثي/385: 391".