{ ومنها جائر } ، أي: ومن السبيل جائر، أي: عادل عن الحق فلا يهتدى به، ومنه قول امرىء القيس:
ومن الطريقة جائر وهدى قصد السبيل ومنه ذو دخل ...
وفي التنزيل: { وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل } ، وقد تقدم، وقيل: المعنى ومنهم جائر عن سبيل الحق، أي: عادل عنه فلا يهتدى إليه .
وفيهم قولان، أحدهما: أنهم أهل الأهواء المختلفة، قاله ابن عباس، الثاني: ملل الكفر من اليهودية، والمجوسية، والنصرانية ...
قوله تعالى: { ولو شاء لهداكم أجمعين } : بين أن المشيئة لله تعالى، وهو يصحح ما ذهب إليه ابن عباس في تأويل الآية ] (1) .
وقال ابن كثير_ رحمه الله_: [ لما ذكر تعالى من الحيوانات ما يسار عليه في السبل الحسية: نبّه على الطرق المعنوية الدينية، وكثيرًا ما يقع في القرآن العبور من الأمور الحسية إلى الأمور المعنوية النافعة الدينية كقوله تعالى: { وتزودوا فإن خير الزاد التقوى } ، وقال تعالى: { يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسًا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير } .
ولما ذكر تعالى في هذه السورة الحيوانات من الأنعام وغيرها التي يركبونها، ويبلغون عليها حاجة في صدورهم، وتحمل أثقالهم إلى البلاد والأماكن البعيدة، والأسفار الشاقة: شرع في ذكر الطرق التي يسلكها الناس إليه: فبين أن الحق منها ما هي موصلة إليه، فقال: { وعلى الله قصد السبيل } ، كقوله: { وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله } ، وقال: { قال هذا صراط عليّ مستقيم } .
قال مجاهد في قوله { وعلى الله قصد السبيل } ، قال: طريق الحق على الله، وقال السدي: { وعلى الله قصد السبيل } : الإسلام، وقال العوفي عن ابن عباس في قوله: { وعلى الله قصد السبيل } ، يقول: وعلى الله البيان، أي: يبين الهدى والضلال، وكذا روى علي بن أبي طلحة عنه، وكذا قال قتادة, والضحاك .
(1) "تفسير القرطبي10/81: 82".