قال ابن جرير الطبري_ رحمه الله_:[ وهذا استثناء من الله جل ثناؤه استثنى التائبين من نفاقهم إذا أصلحوا, وأخلصوا الدين لله وحده, وتبرءوا من الآلهة والأنداد, وصدقوا رسوله أن يكونوا مع المصرين على نفاقهم حتى يوفيهم مناياهم في الآخرة, وأن يدخلوا مداخلهم من جهنم بل وعدهم جل ثناؤه: أن يحلهم مع المؤمنين محل الكرامة, ويسكنهم معهم مساكنهم في الجنة, ووعدهم من الجزاء على توبتهم: الجزيل من العطاء, فقال: { وسوف يؤتي الله المؤمنين أجرًا عظيمًا } .
فتأويل الآية: { إلا الذين تابوا } , أي: راجعوا الحق, وأبوا إلا الإقرار بوحدانية الله, وتصديق رسوله, وما جاء به من عند ربه من نفاقهم, { وأصلحوا } , يعني: وأصلحوا أعمالهم, فعملوا بما أمرهم الله به, وأدوا فرائضه, وانتهوا عمّا نهاهم عنه, وانزجروا عن معاصيه .
{ واعتصموا بالله } , يقول: وتمسكوا بعهد الله, وقد دللنا فيما مضى قبل على أن الاعتصام: التمسك والتعلق, فالاعتصام بالله: التمسك بعهده, وميثاقه الذي عهد في كتابه إلى خلقه من طاعته, وترك معصيته .
{ وأخلصوا دينهم لله } , يقول: وأخلصوا طاعتهم وأعمالهم التي يعملونها لله, فأرادوه بها ولم يعملوها رئاء الناس ] (1) .
* وقد قال تعالى: { فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملًا صالحًا ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا }
[ الكهف: 110 ] .
قال ابن كثير_ رحمه الله_[ { فمن كان يرجو لقاء ربه } , أي: ثوابه وجزاءه الصالح: { فليعمل عملًا صالحًا} , أي: ما كان موافقًا لشرع الله, { ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا } , وهو الذي يُراد به وجه الله وحده لا شريك له .
وهذان ركنا العمل المتقبل: لا بد أن يكون خالصًا لله, صوابًا على شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم] (2) .
(1) "الطبري5/339".
(2) "تفسير ابن كثير3/109".