قال أبو حامد الغزالي_ رحمه الله_: [ اعلم أن الأعمال وإن انقسمت أقسامًا كثيرة من فعل وقول, وحركة وسكون, وجلب ودفع, وفِكْر وذِكْر, وغير ذلك ممّا لا يتصور إحصاؤه واستقصاؤه، فهى ثلاثة أقسام: معاص, وطاعات, ومباحات .
القسم الأول: المعاصي، وهى لا تتغير عن موضوعها بالنيّة، فلا ينبغي أن يفهم الجاهل ذلك من عموم قوله عليه السلام:"إنما الأعمال بالنيّات": فيظن أن المعصية تنقلب طاعة بالنيّة، كالذي يغتاب إنسانًا مراعاة لقلب غيره أو يُطعم فقيرًا من مال غيره أو يبني مدرسة أو مسجدًا أو رباطًا بمال حرام، وقصده الخير .
فهذا كله: جهل، والنية لا تؤثر في إخراجه عن كونه ظلمًا, وعدوانًا, ومعصية بل قصده الخير بالشر_ على خلاف مقتضى الشرع_: شرٌ آخر، فإن عرفه: فهو معاند للشرع، وإن جهله: فهو عاصٍ بجهله إذ طلب العلم فريضة على كل مسلم .
والخيرات إنما يُعرف كونها خيرات بالشرع، فكيف يمكن أن يكون الشر خيرًا ؟!: هيهات بل المروِّج لذلك على القلب: خفيّ الشهوة, وباطن الهوى ...
إلى أن قال:
والمقصود أن من قصد الخير بمعصية عن جهل: فهو غير معذور إلا إذا كان قريب العهد بالإسلام ولم يجد بعدُ مهلة للتعلم، وقد قال الله تعالى: { فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } ...
إلى أن قال:
فإذن قوله عليه السلام:"إنما الأعمال بالنيّات": يختص من الأقسام الثلاثة بالطاعات, والمباحات دون المعاصي إذ الطاعة تنقلب معصية بالقصد، والمباح ينقلب معصية وطاعة بالقصد، فأما المعصية: فلا تنقلب طاعة بالقصد أصلًا، نعم للنيّة دخل فيها, وهو: أنه إذا انضاف إليها قصود خبيثة: تضاعف وزرها, وعظم وبالها_ كما ذكرنا ذلك في كتاب التوبة_ .