فلما كان هذا القرآن تبيانًا لكل شيء: صار حجة اللة على العباد كلهم، فانقطعت به حجة الظالمين، وانتفع به المسلمون، فصار هدى لهم: يهتدون به إلى أمر دينهم ودنياهم، ورحمة ينالون به كل خير في الدنيا والآخرة، فالهدى: ما نالوا به من علم نافع، وعمل صالح، والرحمة: ما ترتب على ذلك من ثواب الدنيا والآخرة: كصلاح القلب, وبره, وطمأنينته، وتمام العقل الذي لا يتم إلا بتربيته على معانيه التي هي أجل المعاني وأعلاها، والأعمال الكريمة، والأخلاق الفاضلة، والرزق الواسع، والنصر على الأعداء بالقول والفعل، ونيل رضا الله تعالى وكرامته العظيمة التي لا يعلم ما فيها من النعيم المقيم إلا الرب الرحيم ] (1) .
* وقال تعالى: { وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ الله وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ } [ يونس: 37 ] .
قال الشيخ السعدي_ رحمه الله_: [ يقول تعالى: { وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ الله } , أي: غير ممكن, ولا متصور أن يُفترى هذا القرآن على الله لأنه الكتاب العظيم الذي { لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ } , وهو الكتاب الذي { لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا } , وهو الكتاب الذي تكلم به رب العالمين, فكيف يقدر أحد من الخلق أن يتكلم بمثله أو بما يقاربه, والكلام تابع لعظمة المتكلم ووصفه ؟!!, فإن كان أحد يماثل الله في عظمته, وأوصاف كماله: أمكن أن يأتي بمثل هذا القرآن .
(1) "تفسير السعدي/313".