قال شيخ الإسلام ابن تيمية_ رحمه الله_: [ خاطب الله المؤمنين بالحدود, والحقوق خطابًا مطلقًا كقوله تعالى: { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا } , وقال تعالى: { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا } ، وقوله: { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ } ، وكذلك قوله: { وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا } .
لكن قد عُلم أن المخاطب بالفعل لا بد أن يكون قادرًا عليه، والعاجزون لا يجب عليهم، وقد عُلِمَ أن هذا فرض على الكفاية، وهو مثل الجهاد بل هو نوع من الجهاد .
فقوله: { كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ } ، وقوله: { وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ الله } , وقوله: { إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ } ، ونحو ذلك: هو فرض على الكفاية من القادرين، والقدرة: هي السلطان، فلهذا: وجب إقامة الحدود على ذي السلطان, ونوابه.
والسنة أن يكون للمسلمين إمام واحد، والباقون نوابه، فإذا فُرض أن الأمة خرجت عن ذلك لمعصية من بعضها، وعجز من الباقين أو غير ذلك, فكان لها عدة أئمة: لكان يجب على كل إمام أن يقيم الحدود، ويستوفي الحقوق، ولهذا قال العلماء: إن أهل البغي يَنْفُذ من أحكامهم ما ينفذ من أحكام أهل العدل، وكذلك لو شاركوا الإمارة وصاروا أحزابًا: لوجب على كل حزب فعل ذلك في أهل طاعتهم .
فهذا عند تفرق الأمراء وتعددهم، وكذلك لو لم يتفرقوا لكن طاعتهم للأمير الكبير ليست طاعة تامة، فإن ذلك_ أيضًا_ إذا أسقط عنه إلزامَهم بذلك: لم يَسقط عنهم القيامُ بذلك بل عليهم أن يقيموا ذلك .
وكذلك لو فرض عجز بعض الأمراء عن إقامة الحدود, والحقوق أو إضاعته لذلك: لكان ذلك الفرض على القادر عليه .