وقول من قال: لا يقيم الحدود إلا السلطان ونوابه: إذا كانوا قادرين, فاعلين بالعدل, كما يقول الفقهاء: الأمر إلى الحاكم: إنما هو العادل القادر، فإذا كان مُضَيِّعًا لأموال اليتامي أو عاجزًا عنها: لم يجب تسليمها إليه مع إمكان حفظها بدونه، وكذلك الأمير إذا كان مضيعًا للحدود أو عاجزًا عنها: لم يجب تفويضها إليه مع إمكان إقامتها بدونه .
والأصل: أن هذه الواجبات تُقام على أحسن الوجوه, فمتى أمكن إقامتها مع أمير: لم يحتج إلى اثنين، ومتى لم يقم بعدد، ومن غير سلطان: أقيمت إذا لم يكن في إقامتها فساد يزيد على إضاعتها، فإنها من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, فإن كان في ذلك من فساد ولاة الأمر أو الرعية ما يزيد على إضاعتها: لم يدفع بأفسد منه، والله أعلم ] (1) .
ـ وقد اتفاق أهل العلم على أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو: واجب، ولمّا كان القيام بواجبات الدين_ علمًا وعملًا, دعوة وجهادًا_ ممّا لا يتم إلا بالقوة, والشوكة اللتين هما ثمرة الاجتماع: كان هذا الاجتماع ممّا يدخل في معنى الواجب .
قال شيخ الإسلام وهو يتحدث عن مشروعية الاجتماع للقيام بواجبات الدين:
[ ولأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يتم ذلك إلا بقوة, وإمارة .
وكذلك سائر ما أوجبه من: الجهاد، والعدل، وإقامة الحج، والجمع، والأعياد، ونصر المظلوم، وإقامة الحدود لا تتم إلا بالقوة, والإمارة ...
إلى قوله:
فالواجب اتخاذ الإمارة دينًا, وقربة يتقرب بها إلى الله، فإن التقرب إليه فيها بطاعته, وطاعة رسوله من أفضل القربات ... ] (2) .
ـ وإذا كان هذا الاجتماع مشروعًا للقيام بواجبات الدين عند تقاعس الإمام, وتقصيره في القيام بهذه الواجبات: فكونه مشروعًا عند غياب الإمام، وتعطل أحكام الدين بالكلية: ممّا لا يقبل النزاع، والله أعلم .
(1) "الفتاوى34/175, 176".
(2) "الفتاوى28/390: 392".