قال الشيخ السعدي_ رحمه الله_:[يخبر تعالى أنه أنزل على عبده ورسوله: الكتاب بالحق, أي: محفوظًا في إنزاله من الشياطين أن يتطرق إليه منهم باطل بل نزل بالحق, ومشتملًا_ أيضًا_ على الحق, فأخباره: صدق, وأوامره ونواهيه: عدل, {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا} , وأخبر أنه أنزله ليحكم بين الناس, وفي الآية الأخرى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} ؛ فيحتمل أن هذه الآية في الحكم بين الناس في مسائل النزاع والاختلاف, وتلك في تبيين جميع الدين: وأصوله, وفروعه, ويحتمل أن الآيتين كلتيهما معناهما واحد, فيكون الحكم بين الناس هنا: يشمل الحكم بينهم في الدماء, والأعراض, والأموال, وسائر الحقوق, وفي العقائد, وفي جميع مسائل الأحكام.
وقوله: {بِمَا أَرَاكَ الله} , أي: لا بهواك بل بما علَّمك الله وألهمك, كقوله تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} , وفي هذا دليل على عصمته صلى الله عليه وسلم فيما يُبَلِّغ عن الله من جميع الأحكام, وغيرها, وأنه يشترط في الحكم: العلم, والعدل لقوله: {بِمَا أَرَاكَ الله} ولم يقل: بما رأيت, ورتب أيضًا الحكم بين الناس على معرفة الكتاب] (1) .
* وقال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ الله نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ}
[البقرة: 176] .
فأخبر تعالى أنه أنزل الكتاب بالحق, ومقتضى ذلك ولازمه: كونه الحَكَم الفصل عند الخلاف والنزاع ثم ذم تعالى الذين اختلفوا في الكتاب بأنهم في شقاق بعيد, ولا شك أن من أعرض عن هذا الكتاب, ولم يحكمه عند الخلاف, والنزاع: لا شك أنه من هؤلاء الذين اختلفوا في الكتاب والذين هم في شقاق بعيد.
(1) "تفسير السعدي/118".