{ وَإِذَا دُعُوا إلى الله وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ } , أي: إذا صار بينهم وبين أحد حكومة, ودعوا إلى الله ورسوله: { إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ } يريدون أحكام الجاهلية, ويفضلون أحكام القوانين غير الشرعية على الأحكام الشرعية لعلمهم أن الحق عليهم, وأن الشرع لا يحكم إلا بما يطابق الواقع .
{ وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ } , أي: إلى حكم الشرع { مُذْعِنِينَ } , وليس ذلك لأجل أنه حكم شرعي, وإنما ذلك لأجل موافقة أهوائهم, فليسوا ممدوحين في هذه الحال, ولو أتوا إليه مذعنين لأن العبد حقيقة: من يتبع الحق فيما يحب ويكره, وفيما يسره ويحزنه, وأما الذي يتبع الشرع عند موافقة هواه, وينبذه عند مخالفته, ويُقدم الهوى على الشرع: فليس بعبد لله على الحقيقة .
قال الله في لومهم على الإعراض عن الحكم الشرعي: { أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ } , أي: علة أخرجت القلب عن صحته, وأزالت حاسته فصار بمنزلة المريض الذي يعرض عمّا ينفعه, ويقبل على ما يضره, { أَمِ ارْتَابُوا } , أي: شكوا أو قلقت قلوبهم من حكم الله ورسوله, واتهموه أنه لا يحكم بالحق, { أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ الله عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ} , أي: يحكم عليهم حكمًا, ظالمًا, جائرًا, وإنما هذا وصفهم: { بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } , وأما حكم الله ورسوله: ففي غاية العدالة, والقسط, وموافقة الحكمة, { وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } .
وفي هذه الآيات: دليل على أن الإيمان ليس هو مجرد القول حتى يقترن به العمل, ولهذا نفى الإيمان عمن تولى عن الطاعة, ووجوب الانقياد لحكم الله, ورسوله في كل حال, وإن لم ينقد له: دلّ على مرض في قلبه, وريب في إيمانه, وأنه يحرم إساءة الظن بأحكام الشريعة, وأن يظن بها خلاف العدل والحكمة .