ولما ذكر حالة المعرضين عن الحكم الشرعي: ذكر حالة المؤمنين الممدوحين, فقال: { إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ } إلى { الْفَائِزُونَ } , أي: { إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ } حقيقة الذين صدقوا إيمانهم بأعمالهم { إِذَا دُعُوا إلى الله وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ } سواء وافق أهواءهم أو خالفها: { أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } , أي: سمعنا حكم الله ورسوله, وأجبنا من دعانا إليه, وأطعنا طاعة تامة, سالمة من الحرج, { وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } حصر الفلاح فيهم لأن الفلاح: الفوز بالمطلوب, والنجاة من المكروه, ولا يفلح إلا من حكم الله ورسوله, وأطاع الله ورسوله ] (1) .
ــ فهذه النصوص السابقة كلها ظاهرة الدلالة في وجوب رد النزاع, والخلاف في أي أمر كان إلى الكتاب, والسنة, ووجوب التسليم, والانقياد لحكمهما .
قال ابن حزم_ رحمه الله_:[ مسألة: والواجب إذا اختلف الناس أو نازع واحد في مسألة ما أن يرجع إلى القرآن, وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا إلى شيء غيرهما, ولا يجوز الرجوع إلى عمل أهل المدينة, ولا غيرهم .
برهان ذلك: قول الله عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر } .
فصح أنه لا يحل الرد عند التنازع إلى شيء غير كلام الله تعالى, وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم, وفي هذا تحريم الرجوع إلى قول أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن من رجع إلى قول إنسان دونه عليه السلام: فقد خالف أمر الله تعالى بالرد إليه, وإلى رسوله لا سيما مع تعليقه تعالى ذلك بقوله: {إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر } , ولم يأمر الله تعالى بالرجوع إلى قول بعض المؤمنين دون جميعهم] (2) .
(1) "تفسير السعدي/410".
(2) "المحلى1/55".