وقال ابن القيم_ رحمه الله_ أيضًا_: [ وإن سئل عن حكم الله من غير أن يقصد السائل قول فقيه معين: فههنا يجب عليه الإفتاء بما هو راجح عنده, وأقرب إلى الكتاب والسنة من مذهب إمامه أو مذهب من خالفه لا يسعه غير ذلك، فإن لم يتمكن منه وخاف أن يؤدي إلى ترك الإفتاء في تلك المسألة: لم يكن له أن يفتي بما لا يعلم أنه صواب، فكيف بما يغلب على ظنه أن الصواب في خلافه ؟!, ولا يسع الحاكم والمفتي غير هذا ألبتة، فإن الله سائلهما عن رسوله, وما جاء به لا عن الإمام المعين وما قاله، وإنما يُسأل الناس في قبورهم, ويوم معادهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم، فيقال له في قبره: ما كنتَ تقول في هذا الرجل الذي بُعِثَ فيكم ؟, { ويوم يناديهم فيقول: ماذا أجبتم المرسلين } , ولا يُسأل أحد قط عن إمام, ولا شيخ, ولا متبوع غيره بل يسأل عمن اتبعه, واُئتم به غيره، فلينظر بماذا يجيب ؟, وليعدَّ للجواب صوابًا ] (1) .
وقال الشاطبي_ رحمه الله_: [ أما إذا كان اطلع على فتاويهم قبل ذلك, وأراد أن يأخذ بأحدها: فقد تقدم قبل هذا أنه لا يصح له إلا الترجيح، لأن من مقصود الشريعة إخراج المكلف عن داعية هواه، حتى يكون عبدًا لله، وتخييره: يفتح له باب اتباع الهوى فلا سبيل إليه ألبتة ] (2) .
ــ هذا, وقد نقل غير واحد من الأئمة, وأهل العلم: الإجماع على وجوب الأخذ بالراجح, وترك المرجوح (3) :
(1) "إعلام الموقعين4/236".
(2) "الموافقات4/262".
(3) وقد نقل كل من الغزالي, والشوكاني_ رحمهما الله_ إجماع الصحابة_ رضي الله عنهم_ على العمل بالترجيح, انظر:"المستصفى/376","إرشاد الفحول/456".