وقال ابن القيم_ رحمه الله_:[ لا يجوز للمفتي أن يعمل بما شاء من الأقوال والوجوه من غير نظر في الترجيح, ولا يَعْتَد به بل يكتفى في العمل بمجرد كون ذلك قولًا قاله إمام أو وجهًا ذهب إليه جماعة, فيعمل بما يشاء من الوجوه والأقوال حيث رأي القول وَفْقَ إرادته وغرضه: عمل به، فإرادته وغرضه هو المعيار, وبها الترجيح، وهذا حرام باتفاق الأمة، وهذا مثل ما حكى القاضي أبو الوليد الباجي عن بعض أهل زمانه ممن نَصَبَ نفسه للفتوى أنه كان يقول: إن الذي لصديقي عليّ إذا وقعت له حكومة أو فتيا أن أفتيه بالرواية التي توافقه، وقال: وأخبرني مَنْ أثق به أنه وقعت له واقعة فأفتاه جماعة من المفتين بما يضره، وأنه كان غائبا فلما حضر سألهم بنفسه، فقالوا: لم نعلم أنها لك، وأفتوه بالرواية الأخرى التي توافقه، قال: وهذا ممّا لا خلاف بين المسلمين ممن يعتد بهم في الإجماع أنه لا يجوز، وقد قال مالك_ رحمه الله_ في اختلاف الصحابة رضي الله عنهم مخطيء ومصيب فعليك بالاجتهاد .
وبالجملة: فلا يجوز العمل, والإفتاء في دين الله بالتّشَهِّي, والتخير, وموافقة الغرض, فيطلب القول الذي يوافق غرضه وغرضَ مَنْ يٌحابيه: فيعمل به، ويفتي به، ويحكم به، ويحكم على عدوه, ويفتيه بضده، وهذا من أفسق الفسوق, وأكبر الكبائر، والله المستعان ] (1) .
وقد مر معنا قول الشاطبي_ رحمه الله_: [ وأيضًا: فإن ذلك يفضي إلى تتبع رُخَص المذاهب من غير استناد إلى دليل شرعي، وقد حكى ابن حزم الإجماع على أن ذلك فسق لا يحل، وأيضا فإنه مؤدٍّ إلى إسقاط التكليف في كل مسألة مختلف فيها، لأن حاصل الأمر مع القول بالتخيير أن للمكلف أن يفعل إن شاء, ويترك إن شاء، وهو عين إسقاط التكليف، بخلاف ما إذا تقيّد بالترجيح: فإنه متبع للدليل، فلا يكون متبعًا للهوى, ولا مسقطًا للتكاليف ] (2) .
ــ تنبيه:
(1) "إعلام الموقعين4/211".
(2) "الموافقات4/134".