قال ابن القيم_ رحمه الله_:[ إذا اعتدل عند المفتي قولان, ولم يترجح له أحدهما على الآخر، فقال القاضي أبو يعلى: له أن يفتي بأيهما شاء كما يجوز له أن يعمل بأيهما شاء، وقيل: بل يُخيّر المستفتي؛ فيقول له: أنت مخير بينهما لأنه إنما يفتي بما يراه، والذي يراه هو التخير، وقيل: بل يفتيه بالأحوط من القولين .
قلت: الأظهر أنه يتوقف، ولايفتيه بشئ حتى يتبين له الراجح منهما لأن أحدهما خطأ، فليس له أن يفتيه بما لا يعلم أنه صواب، وليس له أن يخيره بين الخطأ والصواب، وهذا كما إذا تعارض عند الطبيب في أمر المريض أمْرَانِ: خطأ, وصواب, ولم يتبين له أحدهما: لم يكن له أن يُقْدِم على أحدهما، ولا يخيره، وكما لو استشاره في أمر فتعارض عنده الخطأ, والصواب من غير ترجيح: لم يكن له أن يشير بأحدهما, ولا يخيره، وكما لو تعارض عنده طريقان: مهلكة, وموصِّلة, ولم يتبين له طريق الصواب: لم يكن له الإقدام, ولا التخيير؛ فمسائل الحلال والحرام: أولى بالتوقف, والله أعلم ] (1) .
ــ فإذا وجب على المفتي الأخذ بالراجح, وحَرم عليه الأخذ بالمرجوح: فإن على المستفتي في ذلك مثل ما على المفتي, فيجب عليه أن يتحرى لدينه بالبحث عن القول الراجح من الأقوال المختلفة بقدر وسعه وطاقته .
قال الشاطبي_ رحمه الله_: [ إن الفقيه لا يحل له أن يتخيَّر بعض الأقوال بمجرد التشهي, والأغراض من غير اجتهاد، ولا أن يفتي به أحدًا، والمقلد في اختلاف الأقوال عليه مثل هذا المفتي ] (2) .
(1) "إعلام الموقعين4/238".
(2) "الموافقات4/140".