فهرس الكتاب

الصفحة 617 من 2063

ــ فيجب على المستفتي أن يبذل غاية جهده بحسب وسعه وقدرته للوقوف على أرجح الأقوال, وأن لا يستسهل, فكما يتحرى لأمر مطعمه, ومشربه, وسائر أموره الدنيوية طلبًا لأحسنها, وأجودها, وأفضلها: وجب عليه أن يتحرى لأمر دينه الذي هو لحمه, ودمه .

* وقد سبق معنا قول الإمام مالك_ رحمه الله_ لابن وهب:"يا عبد الله, أدّ ما سمعت وحسبك, ولا تحمل لأحد على ظهرك, واعلم أنما هو: خطأ, وصواب: فانظر لنفسك فإنه كان يقال: أخسر الناس من باع آخرته بدنياه, وأخسر منه: من باع آخرته بدنيا غيره" (1) .

قال الشاطبي_ رحمه الله_: [ ولا ينجيه من هذا أن يقول ما فعلت إلا بقول عالم، لأنه حيلة من جملة الحيل التي تنصبها النفس وقاية عن القال والقيل، وشبكة لنيل الأغراض الدنيوية ] (2) .

ــ فإذا تقرر معنا_ كما سبق_: وجوب رد الخلاف إلى الكتاب والسنة, وكون الخلاف ليس حجة أو عذرًًا لترك طلب الحق المترجح بدليله من الكتاب والسنة, ووجوب الأخذ بالراجح من الأقوال, وتحريم الأخذ بالمرجوح منها, فإنه ينتج لنا من هذا كله: أن قول القائل:"لا إنكار في مسائل الخلاف": مردود بيقين .

* وقد سُئل الإمام الشافعي_ رحمه الله_: ما الاختلاف المحرّم ؟ .

فقال_ رحمه الله_:"كل ما أقام الله به الحجة في كتابه أو على لسان نبيِّه منصوصًا بيّنًا: لم يحلَّ الاختلاف فيه لمن علمه" (3) .

وإذا كان هذا النوع من الاختلاف محرمًا: فقد وجب الإنكار على من أخذ به .

قال ابن القيم_ رحمه الله_: [ قولهم"إن مسائل الخلاف لا إنكار فيها": ليس بصحيح، فإن الإنكار إما أن يتوجه إلى القول والفتوى أو العمل، أما الأول, فإذا كان القول يُخالف سنة أو إجماعًا شائعًا: وجب إنكاره اتفاقًا ...

إلى أن قال:

(1) "جامع بيان العلم وفضله2/82".

(2) "الموافقات4/144".

(3) "الرسالة/560".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت