فهرس الكتاب

الصفحة 631 من 2063

فإذا عرفت الحق: ورأيت أهل الباطل يزيغون عن الحق ولم تدعهم إلى اتباع الحق, وتوصهم باتباع طريق الحق الذي هو الصراط المستقيم, والنور المبين: فلا شك أنك من الخاسرين, لأنك لم تنفذ أمر الله وتتواصى بالحق, ولأنك أخذت الحق لنفسك ولم تحمل عليه غيرك من الزائغين المنحرفين أو المخطئين التائهين .

والمسلم لا يعيش لنفسه فقط بل يعيش لنفسه وللناس, فإذا أصلح نفسه: وجب عليه إصلاح غيره, والدعوة إلى الإصلاح تشمل الناس جميعًا, كل على حسب طاقته, وبقدر نطاقه الذي يحيط به, والنص في هذه الآية صريح لا يقبل التأويل ) (1) .

ــ و"الإيمان"لا يكتمل, ولا تتجلى للعبد حقائقه إلا بأن يقوم العبد بـ"الحق"في غيره كما قام به في نفسه, فـ( حقيقة الإيمان: لا يتم تمامها في قلب حتى يتعرض لمجاهدة الناس في أمر هذا الإيمان لأنه يجاهد نفسه كذلك في أثناء مجاهدته للناس، وتتفتح له في الإيمان آفاق لم تكن لتتفتح له أبدًا وهو قاعد آمن ساكن، وتتبين له حقائق في الناس, وفي الحياة لم تكن لتتبين له أبدًا بغير هذه الوسيلة، ويبلغ هو بنفسه, وبمشاعره, وتصوراته، وبعاداته, وطباعه, وانفعالاته, واستجاباته ما لم يكن ليبلغه_ أبدًا_ بدون هذه التجربة الشاقة العسيرة .

وهذا بعض ما يشير إليه قوله تعالى: { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض } ، وأول الفساد: فساد النفوس بالركود الذي تأسن معه الروح، وتسترخي معه الهمة، ويتلفها الرخاء, والطراوة ثم تأسن الحياة كلها بالركود أو بالحركة في مجال الشهوات وحدها كما يقع للأمم حين تبتلى بالرخاء ) (2) .

ــ وهؤلاء الذين يقومون بأمر الله في أنفسهم, وغيرهم: هم أعلى الناس منزلة, ودرجة عند الله .

(1) "عدة المسلمين في معاني الفاتحة وقصار السور للصواف/87".

(2) "هذا الدين لسيد قطب/10".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت