والثاني: مثل الغني الذي لا خبرة له بوجوه الربح والمكسب ولكنه حافظ لما لا يحسن التصرف, والتقلب فيه.
والأرض الثالثة: أرض قاع؛ وهو المستوى الذي لايقبل النبات, ولا يمسك ماءً؛ فلو أصابها من المطر ما اصابها: لم تنتفع منه بشئ .
فهذا مثل القلب الذي لا يقبل العلم, والفقه, والدراية وإنما هو بمنزلة الأرض البوار التي لا تنبت, ولا تحفظ, وهو مثل الفقير الذي لا مال له, ولا يحسن يمسك مالًا .
فالأول: عالم, معلم, وداع إلى الله على بصيرة؛ فهذا من ورثة الرسل .
والثاني: حافظ, مؤدّ لما سمعه؛ فهذا يحمل لغيره ما يتجر به المحمول إليه, ويستثمر .
والثالث: لا هذا, ولا هذا؛ فهو الذي لم يقبل هدى الله, ولم يرفع به رأسًا .
فاستوعب هذا الحديث اقسام الخلق في الدعوة النبوية ومنازلهم منها ] (1) .
ـ فأعلى الناس درجة ومرتبة عند الله: من قام بأمره: علمًا وعملًا, في نفسه, وفي غيره, ومن وفق بأن أقامه الله في هذا المقام_ مقام القوامة بأمر الله_: فهو الفائز، إذ الفائز حقيقة من اختاره الله وجعله: ( جهبذًا, وداعيًا للعباد, ونذيرًا لهم, وحجة فيهم: هاديًا, مهديًًاًً ) (2) .
فكانت هذه القوامة بدين الله: هي وراثة النبوة بلا نزاع إذ الأمر كما قال ابن الجوزي_ رحمه الله_: [ هل كان شغل الأنبياء إلا معاناة الخلق, وحثهم على الخير, ونهيهم عن الشر ] (3) .
* وقد قالت عائشة_ رضي الله عنها_ لما سألها عبد الله بن شقيق: هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي وهو قاعد ؟ .
قالت:"نعم, بعدما حطمه الناس" (4) .
ـ فخاتم الأنبياء والرسل صلى الله عليه وسلم: ( كانت ساعاته موقوفة على الجهاد: بقلبه, ولسانه, ويده, ولهذا, كان أرفع العالمين: ذكرًا, وأعظمهم عند الله: قدرًا ) (5) .
(1) "زاد المهاجر إلى ربه لابن القيم/55: 56".
(2) "الفتح الرباني للجيلاني".
(3) "صيد الخاطر/42".
(4) "مسلم1/506".
(5) "زاد المعاد 2/ 38".