وكم من مسألة ظاهرها جميل, وباطنها مكر وخداع وظلم !, فالغر: ينظر إلى ظاهرها ويقضي بجوازه، وذو البصيرة: ينفذ إلى مقصدها وباطنها .
فالأول: يروج عليه زغل المسائل كما يروج على الجاهل بالنقد زغل الدراهم، والثاني: يخرج زيفها كما يخرج الناقد زيف النقوذ، وكم من باطل يخرجه الرجل بحسن لفظه, وتنميقه, وإبرازه في صورة حق !, وكم من حق يخرجه بتهجينه, وسوء تعبيره في صورة باطل !, ومن له أدنى فطنة وخبرة: لا يخفى عليه ذلك] (1) .
ـ ومن ذلك: قول شيخ الإسلام ابن تيمية_ رحمه الله_: [ والواجب أن يعتبر في أمور الجهاد برأي أهل الدين الصحيح الذين لهم خبرة بما عليه أهل الدنيا دون أهل الدنيا الذين يغلب عليهم النظر في ظاهر الدين فلا يؤخذ برأيهم, ولا برأي أهل الدين الذين لا خبرة لهم في الدنيا ] (2) .
ــ ولذا, فأهل الطائفة المنصورة سيما أئمتهم قد فقهوا شرع الله كما فقهوا واقعهم الذي يعيشون, ومن ثم: قاموا بأمر الله, وكانت لهم القوامة عليه .
* قال بشر الحافي_ رحمه الله_ في حق الإمام أحمد, وهو يعدد ما امتاز به أحمد وفُضّل به عليه, ومن ذلك:"أنه نصب إمامًا للعامة" (3) .
* ونحو ذلك ما جاء في وصف إمام أهل الشام: الإمام الأوزاعي بأنه:"كان رجل عامة" (4) .
* وقيل نحو ذلك_ أيضًا_ في خالد بن عبد الله الواسطي: أحد المحدثين الثقات, من شيوخ البخاري, حيث وصفوه بأنه كان:"رجل عامة" (5) .
(1) "إعلام الموقعين4/229".
(2) "الاختيارات الفقهية/535".
(3) "الإحياء للغزالي2/22".
(4) "تهذيب التهذيب6/218","سير أعلام النبلاء7/113".
(5) "تهذيب التهذيب3/87","تاريخ بغداد8/294","تذكرة الحفاظ1/260".