فهم العتاة الجبارون الذين يبطشون بلا رحمة، والذين أبطرتهم النعمة، والذين يقيمون المصانع يرجون من ورائها الامتداد والخلود ...
إنه الإيمان, والثقة, والاطمئنان: الإيمان بالله، والثقة بوعده، والاطمئنان إلى نصره ... { إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم } [ هود: 56 ] .
وهؤلاء الغلاظ الأشداء من قومه إنْ هم إلا دواب من تلك الدواب التي يأخذ ربه بناصيتها, ويقهرها بقوته قهرًا ...
فما خوفه من هذه الدواب, وما احتفاله بها ؟, وهي لا تُسلط عليه إنْ سلطت إلا بإذن ربه ؟, وما بقاؤه فيها وقد اختلف طريقها عن طريقه ؟ ) (1) .
* والخليل إبراهيم عليه السلام, والذين معه لمّا قالوا لقومهم: { إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وممّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِالله وَحْدَهُ } : كانوا فئة قليلة مستضعفة مجردة من أسباب القوة المادية بل مجردة من كل حول وطول إلا بالله وحده .
وقد استفتح الله تعالى هذه الآية بقوله مخاطبًا أمة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: { قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه } , وقال تعالى مرة أخرى بعد أن قصّ عليهم تبرؤ إبراهيم عليه السلام هو ومن معه من قومهم المشركين حال ضعفهم, وقلتهم تأكيدًا, وتنبيهًا: { لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ومن يتولّ فإن الله هو الغني الحميد } .
فجعل الله لنا فيهم أسوة حسنة في تبرؤهم من قومهم المشركين مع ما هم عليه من الاستضعاف, والخلو التام من أسباب التمكين بل ومن أسباب القدرة على ردّ عادية المشركين, وقد كان ما كان من إلقاء إبراهيم عليه السلام في النار التي أنجاه الله وحده منها .
(1) "في ظلال القرآن/1899".