فهرس الكتاب
فكان تبعيض الاتباع بالانشغال بالنفل مع تضييع الفرض أو بالمفضول مع إهمال الفاضل أو بالمهم مع ترك الأهم: مصادمة صارخة لما جاء به الشرع وقرره ممّا يقدح في حقيقة عبودية العبد، وصدق طاعته لربه إذ النفل لم يشرع إلا لتكميل معنى الطاعة أما الفرائض, والواجبات_ الفعلية, والتركية_: فهي أساس الطاعة, وحقيقة معناها, وهيهات أن يفلح من قصر في واجب لحساب نفل .
* ويروي لنا التابعي, الكوفي، الفقيه, النبيل: عامر الشعبي_ رحمه الله_: أن رجالًا خرجوا من الكوفة، ونزلوا قريبًا يتعبدون، فبلغ ذلك عبد الله بن مسعود_ رضي الله عنه_، فأتاهم، ففرحوا بمجيئه إليهم، فقال لهم:"ما حملكم على ما صنعتم ؟ ."
قالوا: أحببنا أن نخرج من غمار الناس نتعبّد .
فقال عبد الله:"لو أن الناس فعلوا مثل ما فعلتم؛ فمَنْ كان يقاتل العدو ؟!, وما أنا ببارح حتى ترجعوا" (1) .
فهي دعوة كاملة لكل ما جاء النبي صلى الله عليه وسلم مع تقديم ما من حقه التقديم .
وللإمام ابن القيم_ رحمه الله_ كلام بديع رائق في تبعيض الاتباع, حيث قال في صفة أهل العبودية المطلقة:
[ العلامة الثانية: قوله:"ولم ينسبوا إلى اسم", أي: لم يشتهروا باسم يعرفون به بين الناس من الأسماء التي صارت أعلامًا لأهل الطريق, وأيضًا: فإنهم لم يتقيدوا بعمل واحد يجري عليهم اسمه، فيعرفون به دون غيره من الأعمال, فإن هذا: آفة في العبودية، وهي عبودية مقيدة .
وأما العبودية المطلقة: فلا يُعرف صاحبُها باسم معين من معاني أسمائها، فإنه مجيب لداعيها على اختلاف أنواعها، فله مع كل أهل عبودية نصيب يضرب معهم بسهم؛ فلا يتقيد برسم, ولا إشارة، ولا اسم, ولا بزي، ولا طريق وضعي اصطلاحي .
(1) "الزهد لابن المبارك/390".