*"فلمّا فُرغ من قضية الكتاب, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: قوموا, فانحروا ثم احلقوا, قال: فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك: ثلاث مرات, فلمّا لم يقم منهم أحد: دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس, فقالت أم سلمة: يا نبي الله, أتحب ذلك: أخرج لا تكلم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر بدنك, وتدعو حالقك: فيحلقك, فخرج فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك: نحر بدنه, ودعا حالقه, فحلقه, فلما رأوا ذلك: قاموا, فنحروا, وجعل بعضهم يحلق بعضًا" (1) .
وقد انتزع الحجوي_ رحمه الله_ من هذا الحديث أن: البيان بالفعل أقوى من البيان بالقول (2) .
ـ وممّا يفيده الحديثان السابقان: إظهار قيمة الفعل, وأهميته إذ الأفهام قد تتنازع"القول", وتختلف في بيان دلالته, ولكنها تخضع, وتسلم لمنطق"الفعل"الذي يفرض نفسه .
* عن ميمون بن مهران, قال:"إني لعند عمر بن عبد العزيز اذ فُتح له منطقٌ حسن حتى رق له أصحابه, قال: ففطن لرجل منهم وهو يحذف دمعته, قال: فقطع منطقه ."
قال ميمون: فقلت له: امضِ في منطقك يا أمير المؤمنين, فإني أرجو أن يمنّ الله عز وجل به على من سمعه, وانتهى اليه .
فقال بيده: إليك عني, فإن القول: فتنة, والفعال: أولى بالمرء من القول" (3) ."
* وقال الإمام مالك_ رحمه الله_:"بلغني أن القاسم بن محمد كان يقول: أدركت الناس وما يُعجبون بالقول, قال مالك: يريد بذلك العمل, إنما يُنظر إلى عمله ولا ينظر إلى قوله" (4) .
( فالواعظ ما لم يكن مع مقاله فعال: لم يُنتفع به إذ عملُه: مدرك بالبصر, وعلمه: مدرك بالبصيرة, وأكثر الناس أهل أبصار لا بصائر, فيجب كون عنايته بإظهار ما يدركه جماعتهم أكثر ) (5) .
(1) "البخاري2/978", وانظر:"الفكر السامي للحجوي1/154".
(2) انظر:"الفكر السامي للحجوي1/154".
(3) "شعب الإيمان4/253".
(4) "الموطأ2/992".
(5) "فيض القدير1/78".