ــ وإذا تقرر ممّا سبق: أن أبصار المدعوين شاخصة نحو الدعاة: تحصي عليهم كلَّ شيء وإن دق إذ لمّا نصبوا أنفسهم لدعوة الناس: نصب الناسُ إليهم وجوههم, وكان لسان حال الداعي: { واجعلنا للمتقين إمامًا } .
قال القرطبي_ رحمه الله_: [ أي: قدوة يقتدى بنا في الخير, وهذا لا يكون إلا أن يكون الداعي: متقيًا, قدوة, وهذا هو قصد الداعي ] (1) .
ناسب أن يكون الميزان الذي توزن به أعمالُ الدعاة: أكثر شدة, وصرامة من ذلك الذي توزن به أعمال غيرهم .
* وقد قال تعالى في حق أمهات المؤمنين_ رضي الله عنهن_: { يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِيرًا } [ الأحزاب: 30 ] .
وما ذاك إلا لأنهن قدوات مع ما فيه من صيانة لجنابهن, وجناب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فلمّا كانت مكانتهن رفيعة ناسب أن يجعل الله الذنب الواقع منهن عقوبته مغلظة .
فأفاد ذلك: أن من عظمت منزلته, وشخصت الأبصار إليه: ليس كغيره من الخاملين الذين لا يؤبه لهم إذ الأول: محل النظر, والاقتداء دون الثاني .
وقد قيل_ أيضًا_: ( لمّا كان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في مهبط الوحي, وفي منزل أوامر الله ونواهيه: قوي الأمر عليهن, ولزمهن بسبب مكانتهن أكثر ممّا يلزم غيرهن: فضوعف لهن الأجر, والعذاب) (2) .
ـ وعليه, ( فقواعد الشرع: تقتضي أن يُسامح الجاهل بما لا يسامح به العالم, وأنه يُغفر له ما لا يغفر للعالم, فإن حجة الله عليه أقوم منها على الجاهل, وعلمه بقبح المعصية, وبغض الله لها, وعقوبته عليها: أعظم من علم الجاهل, ونعمة الله عليه بما أودعه من العلم: أعظم من نعمته على الجاهل .
(1) "تفسير القرطبي13/83".
(2) "القرطبي14/174".