وقد دلت الشريعة, وحكم الله على أن من حُبي بالإنعام, وخُص بالفضل والإكرام ثم أسام نفسه مع ميل الشهوات, فأرتعها في مراتع الهلكات, وتجرّأ على انتهاك المحرمات, واستخف بالتبعات والسيئات: أنه يُقابل من الانتقام, والعتب بما لا يقابل به من ليس في مرتبته ) (1) .
ـ فالقاعدة هنا: أنه ( كلما كانت الدرجة أعلى: كان العذاب عند المخالفة أعظم ) (2) لخصوصية المنزلة, والمحل .
* وقد كان عمر بن الخطاب_ رضي الله عنه_ إذا صعد المنبر, فنهى الناس عن شيء: جمع أهله, فقال:
"إني نهيت الناس عن كذا, وكذا، وإن الناس ينظرون إليكم نظر الطير إلى اللحم، وأقسم بالله لا أجد أحدًا فيكم فعله: إلا أضعفت فيه العقوبة" (3) .
ــ بل إن الداعية قد لا يسعه ما يسع الناس لخصوص منزلته, وخصوص ما نصب نفسَه له, وعلى هذا: جرى الدعاة الهداة .
* قال الإمام الأوزاعي_ رحمه الله_:"كنا نضحك, ونمزح, فلما صرنا يقتدى بنا: خشيت أن لا يسعنا التبسم" (4) .
* و"رأى فضيل بن عياض قومًا من أصحاب الحديث يمزحون ويضحكون, فناداهم: مهلًا يا ورثة الأنبياء, مهلًا_ ثلاثًا_: إنكم أئمة يقتدى بكم" (5) .
* ولما همّ إمام مصر الليث بن سعد بفعل مفضول ينافي العزيمة: قال له إمام المدينة يحيى بن سعيد الأنصاري:"لا تفعل, فإنك إمام منظور إليك" (6) .
* وقال المروزي_ رحمه الله_:"سألت أبا عبد الله_ أي: الإمام أحمد_ عن النزول في دور قوم_ وذكرت من تكره ناحيته بعبادان أو بطرسوس_, فقال: لا تنزلها ."
فقلت: فمَنْ مَرضَ وهو فيها, ترى أن يعاد ؟ .
قال: يقال له: أخرج منها أو تحول عنها .
(1) "مفتاح دار السعادة1/179".
(2) "تفسير القرطبي10/301".
(3) "مصنف ابن أبي شيبة6/199","الجامع لمعمر11/346".
(4) "تذكرة الحفاظ1/182","السير7/132","الحلية6/143".
(5) "حلية الأولياء8/100","السير8/435".
(6) "تهذيب التهذيب 8/ 463".