فهرس الكتاب

الصفحة 764 من 2063

ولما كان هذا الوعيد وأشباهه حجة على الذين لبسوا لباس الدين من المسلمين, وانتحلوا الرئاسة لأنفسهم بعلمه: حاولوا التفصي منه، فقال بعضهم: إن الكتمان لا يتحقق إلا إذا سئل العالم عن حكم الله تعالى فكتمه، وأخذوا من هذا التأويل قاعدة هي أن العلماء لا يجب عليهم نشر ما أنزل الله تعالى ودعوة الناس إليه وبيانه لهم، وإنما يجب على العالم أن يجيب إذا سئل عمّا يعلمه, وزاد بعضهم: إذا لم يكن هناك عالم غيره وإلا كان له أن يحيل على غيره .

وهذه القاعدة مسلمة عند أكثر المنتسبين إلى العلم اليوم, وقبل اليوم بقرون، وقد ردها أهل العلم الصحيح, فقالوا: إن القرآن الكريم لم يكتف بالوعيد على الكتمان بل أمر ببيان هذا للناس، وبالدعوة إلى الخير, والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأوعد من يترك هذه الفريضة، وذكر لهم العبر فيما حكاه عن الذين قصروا فيها من قبل ) (1) .

ـ وأمّا ( ما ورد عن تدافع علماء السلف في الفتوى: فإنما هو في الوقائع العملية الاجتهادية، التي تعرض للناس لا في الدعوة إلى مقاصد الدين الثابتة بالنصوص, وسياجها من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) (2) .

* وقد روى الإمام البخاري_ رحمه الله_ بسنده عن أبي هريرة_ رضي الله عنه_ أنه قال:"إن الناس يقولون: أكثرَ أبو هريرة، ولولا آيتان في كتاب الله ما حدَّثت حديثًا، ثم يتلو: { إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات _ إلى قوله_: الرحيم } " (3) .

قال ابن حجر_ رحمه الله_:[ قوله:"أكثر أبو هريرة", أى: من الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما صرّح به المصنف في البيوع ...

قوله:"ولولا آيتان"..., ومعناه: لولا أن الله ذمَّ الكاتمين للعلم: ما حدَّث أصلًا، لكن لما كان الكتمان حرامًا: وجب الإظهار، فلهذا حصلت الكثرة لكثرة ما عنده ] (4) .

(1) "تفسير المنار2/51".

(2) "تفسير المنار2/51".

(3) "البخاري1/55".

(4) "فتح الباري1/213: 214".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت