وهذا هو الذي أضعف المسلمين في القرون الأخيرة أنْ أحجم علماؤهم, وزعماؤهم, وقادتهم عن الضرب على أيدي الظالمين، وعن كلمة الحق في مواطن الصدق: فتهافت الناس، وضعفت قلوبهم، ومُلئوا رعبًا من عدوّهم: فكانوا لا غناء لهم, وكانوا غثاءً كغثاء السيل ] (1) .
وقال_ رحمه الله_ كذلك_ تعليقًا على موقف الإمام أحمد ورفضه الأخذ بالرخصة دفعًا للتلبيس, ومنعًا للتضليل:[ أمّا أولو العزم من الأئمة الهداة، فإنهم يأخذون بالعزيمة، ويحتملون الأذى ويثبتون، وفي سبيل الله ما يلقون، ولو أنهم أخذوا بالتّقية، واستساغوا الرخصة: لضلّ الناس من ورائهم: يقتدون بهم، ولا يعلمون أن هذه تقية .
وقد أُتِي المسلمون من ضعف علمائهم في مواقف الحق، لا يصدعون بما يؤمرون، يجاملون في دينهم, وفي الحق، لا يجاملون الملوك, والحكام فقط بل يجاملون كل من طلبوا منه نفعًا أو خافوا ضرًّا في الحقير, والجليل من أمر الدنيا_ وكل أمر الدنيا حقير_، فكان من ضعف المسلمين بضعف علمائهم: ما نرى ] (2) .
ــ وفي جميع الأحوال: فإنه لا يسع العلماء: قول الباطل, والدعوة إليه, والدفاع عنه, ومناصرته بحجة التقيّة, والأخذ بالرخصة؛ فمَنْ تحقق عجزَه عن قول الحق, والقيام به: فعليه السكوت لا أن ينطق بالباطل, ويلج فيه, ويكون من جنده, وأنصاره ! .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية_ رحمه الله_: [ والتقاة: ليست بأن أكذب, وأقول بلساني ما ليس في قلبى، فإن هذا نفاق، ولكن أفعلُ ما أقدِرُ عليه ...
(1) "دائرة المعارف الإسلامية5/424".
(2) "المسند1/82: 83".