قال الشيخ السعدي_ رحمه الله_: [ { جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ } , أي: بينّا فيه جميع المطالب التي يحتاج إليها الخلق { عَلَى عِلْمٍ } من الله بأحوال العباد في كل زمان ومكان, وما يصلح لهم وما لا يصلح, ليس تفصيله تفصيل غير عالم بالأمور, فيجهل بعض الأحوال, فيحكم حكمًا غير مناسب بل تفصيل من أحاط علمه بكل شيء, ووسعت رحمته كل شيء ] (1) .
ــ فأهل الطائفة المنصورة يُدركون بأن الشرع في استخدامه لمصطلحات دون غيرها: قد أعطى هذه المصطلحات معاني, ودلالات خاصة, وما ذاك إلا رغبة في ربط هذه المعاني, والدلالات بتلك المصطلحات بحيث إذا تمّ التعبير عن هذه المعاني, والدلالات بغير تلك المصطلحات, واستبدالها بمصطلحات محدثة: لم يُفد ذلك قطعًا عين ما أراده الشرع من معاني, ودلالات: نفيًا, وإثباتًا .
ومن اليقين في مصدر هذا الشرع, ومرجعيته عند أهل الطائفة المنصورة: أن ربط الشرع لمعنىً من المعاني بمصطلح ما: يعني أن هذا المصطلح هو وحده الأجدر, والأصلح في التعبير عن هذا المعنى مهما تبدلت الأحوال, وتغيرت الأزمان إذ هذا الدين تنزيل علام الغيوب .
قال ابن القيم_ رحمه الله_: [ ينبغي للمفتي أن يفتي بلفظ النص مهما أمكنه، فإنه يتضمن الحكم والدليل مع البيان التام، وقد كان الصحابة, والتابعون, والأئمة الذين سلكوا على منهاجهم يتحرون ذلك غاية التحري حتى خلفت من بعدهم خُلوف رغبوا عن النصوص، واشتقوا لهم ألفاظًا غير ألفاظ النصوص، فأوجب ذلك هجر النصوص، ومعلوم أن تلك الألفاظ لا تفي بما تفي به النصوص من الحكم, والدليل, وحسن البيان, فتولد من هجران ألفاظ النصوص, والإقبال على الألفاظ الحادثة, وتعليق الأحكام بها على الأمة من الفساد ما لا يعلمه إلا الله .
(1) "المرجع السابق/190".