فألفاظ النصوص عصمة, وحجة بريئة من الخطأ, والتناقض, والتعقيد, والاضطراب, ولَمَّا كانت هى عصمة عهدة الصحابة وأصولهم التي إليها يرجعون كانت علومهم أصَحَّ من علوم مَنْ بعدهم، وخطؤهم فيما اختلفوا فيه أقل من خطأ من بعدهم ثم التابعون بالنسبة إلى من بعدهم كذلك، وهلم جرا .
ولما استحكم هجران النصوص عند أكثر أهل الأهواء والبدع كانت علومهم في مسائلهم وأدلتهم في غاية الفساد والاضطراب والتناقض، وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سُئلوا عن مسألة يقولون: قال الله كذا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، أو فعل رسول الله كذا، ولا يعدلون عن ذلك ماوجدوا إليه سبيلًا قط, فمن تأمّل أجوبتهم وجدها شفاءً لما في الصدور .
فلما طال العهد, وبعد الناس من نور النبوة: صار هذا عيبًا عند المتأخرين أن يذكروا في أصول دينهم, وفروعه: قال الله, وقال رسول الله ] (1) .
ـ وكلام ابن القيم_ رحمه الله_ هذا وإن كان نصًا في حق المفتي فإنه شامل_ كذلك_ للداعية بجامع التبليغ عن الله: دينه, وشرعه مع ما في كلامه_ رحمه الله_ من عموم ضرر هجر ألفاظ النصوص, وهو عين ما نحن فيه .
وقد قال الغزالي_ رحمه الله_ وهو يتحدث عن"بيان ما بُدل من ألفاظ العلوم"، قال:
[ اعلم أن منشأ التباس العلوم المذمومة بالعلوم الشرعية: تحريف الأسامي المحمودة, وتبديلها, ونقلها بالأغراض الفاسدة إلى معان غير ما أراده السلف الصالح والقرن الأول ] (2) .
ولابن حزم كلام قريب من كلام الغزالي هذا حيث قال_ رحمه الله_ في حديثه عن"الألفاظ الدائرة بين أهل النظر", قال: [ هذا باب خلّط فيه كثير ممن تكلم في معانيه، وشبك بين المعاني، وأوقع الأسماء على غير مسمياتها، ومزج بين الحق والباطل، فكثر لذلك الشغب والالتباس, وعظمت المضرة, وخفيت الحقائق ] (3) .
(1) "إعلام الموقعين4/170".
(2) "الإحياء1/35".
(3) "الإحكام1/38".